لم ينكر نبي اللَّه تعالى أنه فعلها كما وصف، ولكن أنكر أنه ملوم لكفره به، فقال:
(قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ(20)
فعلتها إذ ذاك وأنا من الضالين، ضلالا بريئا، والضلال البرئ يكون بالجهل والنسيان والبعد عن التأني والصبر، وأخذ الأمور، والاكتفاء في الدفاع عن الحق بأقل الأضرار التي ينزلها بالمعتدي، فنبي اللَّه النقي يعترف بأنه لم يسلك طريق الجادة المستقيمة، وهذه حال موسى عليه السلام وإذاً معناها إذ ذاك، فالتنوين عوض عن المضاف إليه مرتبا الواقعة على مقدماتها من شر في القبطي أو المصري، معترفا بأنه ضال ضلالا بريئا كما ذكرنا.
ولما فعلها فَرَّ، فقال:
(فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ ...(21)
الفاء عاطفة، وقد ذكر سبحانه وتعالى أسباب الفرارِ وكيف كان في سورة القصص، فقال عز من قائل (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ(20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) .
والفاء في قوله تعالى: (فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ) عاطفة، والحكم هو الحكمة أي التجربة، وبعد أن كان غفلا في النعمة في قصر فرعون اكتسب حكمة وتجربة، وعمل وكسب، فإن الشدة تصقل النفس، وتربي الحكمة ووزن الأمور والأفعال، ويصح أن يكون الحكم بمعنى الرسالة، والأول أولى؛ لأن التأسيس أولى من التأكيد، وجعلني رسولا من المرسلين الذين أرسلهم رب العالمين، فقد جعله اللَّه تعالى من أولي العزم من الرسل.
ثم بين كليم اللَّه أن النعمة التي يمنُّ بها عليه هي نعمة سببها أشد النقم؛ لأنها كانت بسبب إيذائك المطلق لبني إسرائيل مما جعل أمه تلقيه في تابوت في اليم فيكون في قصر فرعون، فلولا هذه النقمة الفاجرة ما كانت تلك النعمة الِتي تمنُّ بها، وتستطيل عليَّ بذكرها، ولذا قال:
(وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ(22)