(وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(10)
هذه قصة موسى وفرعون، والمقاولة التي جرت بين موسى الكليم، وفرعون الجبار العنيد، وإن فيها جزءا لم يذكر في قصة موسى وهارون، وهي المجاوبة التي كانت بين كليم اللَّه ومربيه حتى بلغ رشده، وفيها عَتْب المربي ودفاع من تربى ومجابهته بالحق القوي الصريح، وجاء ما هو مذكور في غير هذا الموضع من قصة العصا، ثم قصة النجاة، التي سنذكرها في موضعها فيما يلى، وإن ذكر التربية هو الذي اختصت به القصة، وجاء ذكر المعجزة، وأعمال السحرة تابعا، ولا يعد ذلك تكرارا لأصل القصة، إن كان طاغوت فرعون يذكر فيما تشبه التكرار تنبيها على الظلم والطغيان، كما يكرر ذكر طلب التوحيد، والنهي عن الشرك.
(وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11) .
الواو عاطفة هذا الكلام على ما سبقه، أو دالة على الاستئناف و (إِذْ) متعلقة بمحذوف، تقديره اذكر، أي اذكر لقومك قصة موسى، والتعبير بربك إشارة إلى أنه الكالئ الحامي المدبر القيوم على كل شيء، (أن) حرف تفسير للنداء، نداء اللَّه تعالى جلت قدرته، فالنداء(ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
قَوْمَ فِرْعَوْنَ)وصفوا بالظلم؛ لأنهم هم الذين مكنوا فرعون من ظلمه، فكانوا ظالمين؛ لأنهم الذين أقاموه، وأيدوه، وطاوعوه، ومهدوا، وصاروا آلة طيعة لتنفيذ مظالمه، وإنه لا يسأل العامة عن ظلم الخاصة، حتى يروا الظلم فلا يستنكروه، وكذلك كان أهل مصر، وعبر عنهم بقوم فرعون لأنهم كانوا له تبعا، وقد فني وجودهم في وجوده، (أَلا يَتَّقُونَ) هذه جملة مستأنفة دالة على أنهم لم يتقوا، وأفرطوا في اتباع فرعون، وكان إسرافهم على أنفسهم، إذ إنهم لما لم يستنكروا أوغل هو في الطغيان بمقدار إسرافهم في الخضوع، فرد الطغاة وقاية للأنفس، واتقاء للَّه، و (ألا) دالة على التحريض والحث على التقوى، وهنا التفات من الخطاب إلى الغيبة، للدلالة على الغضب عليهم، وهناك قراءة بالخطاب ألا تتقون، ويكون النص محرضا لهم على التقوى.