يَا غَائِبَ الْقَلْبِ فِي صَلاتِهِ, يَا شَتِيتَ الْهَمِّ فِي جِهَاتِهِ, يَا مَشْغُولا بِآفَاتِهِ عَنْ ذِكْرِ وَفَاتِهِ, يَا قَلِيلَ الزَّادِ مَعَ قُرْبِ مَمَاتِهِ, يَا مَنْ يَرْحَلُ عَنِ الدُّنْيَا فِي كُلِّ لَحْظَةٍ مَرْحَلَةً, وَكِتَابُهُ قَدْ حَوَى حَتَّى مِقْدَارِ خَرْدَلَةٍ, وَمَا يَنْتَفِعُ بِنَذِيرٍ وَالنُّذُرُ مُتَّصِلَةٌ, وَمَا يَرْعَوِي لِنَصِيحٍ وَكَمْ قَدْ عَذَّلَهُ, وَدُرُوعُهُ مُتَخَرِّقَةٌ وَالسِّهَامُ مُرْسَلَةٌ, وَنُورُ الْهُدَى قَدْ يُرَى وَمَا رَآهُ وَلا تَأَمَّلَهُ, وَهُوَ يَأْمُلُ الْبَقَاءَ وَقَدْ رَأَى مَصِيرَ مَنْ أَمَّلَهُ, وَأَجَلُهُ قد دنا ولكن أمه قد شغله, وقد انعكف على العيب بَعْدَ الشَّيْبِ بِصَبَابَةٍ وَوَلَهٍ, وَيُحْضِرُ بَدَنَهُ فِي الصَّلاةِ فَأَمَّا الْقَلْبُ فَقَدْ أَهْمَلَهُ, كُنْ كَيْفَ شِئْتَ فَبَيْنَ يَدَيْكَ الْحِسَابُ وَالزَّلْزَلَةُ, وَنُعِّمَ جَسَدُكَ فَلا بُدَّ لِلدُّودِ أَنْ يَأْكُلَهُ, يَا عَجَبًا مِنْ فُتُورِ مُؤْمِنٍ بِالْجَزَاءِ وَالْمَسْأَلَةِ, أَيَقِينٌ بِالنَّجَاةِ أم غرور وبله, بادر مَا بَقِيَ مِنَ الْعُمْرِ وَاسْتُدْرِكَ أَوَّلُهُ, فَبَقِيَّةُ عُمْرِ الْمُؤْمِنِ لا قِيمَةَ لَهُ.
إِخْوَانِي: حُسْنُ الأَدَبِ فِي الصَّلاةِ دَلِيلٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمَخْدُومِ, وَالْتِفَاتُ الْبَدَنِ دَلِيلٌ عَلَى إِعْرَاضِ الْقَلْبِ, وَقَدْ وَصَفْتُ لَكَ أَحْوَالَ الْخَاشِعِينَ, فَهَلْ أَنْتَ مِنْهُمْ أَوْ مِنَ الْغَافِلِينَ.
(سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} )
سُبْحَانَ مَنْ قَوَّمَهُمْ وَأَصْلَحَهُمْ, وَعَامَلُوهُ بِالْيَسِيرِ فَأَرْبَحَهُمْ, وَاعْتَذَرُوا مِنَ التَّقْصِيرِ فَسَامَحَهُمْ, وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِمْ وَمَدَحَهُمْ, أَفَتَعُونَ {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} .
اغْتَنَمَ الْقَوْمُ الأَيَّامَ, وَاجْتَنَبُوا الْخَطَايَا وَالآثَامَ, وَصَمَتُوا عَنْ رَدِيءِ الْكَلامِ, وَصَمُّوا عَنِ اسْتِمَاعِ الْحَرَامِ, فَكَأَنَّهُمْ مَا يَسْمَعُونَ {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} .