لَقَدْ رَبِحَ الْقَوْمُ وَأَنْتَ نَائِمٌ, وَخِبْتَ وَرَجَعُوا بِالْغَنَائِمِ, أَنْتَ بِاللَّيْلِ رَاقِدٌ وَبِالنَّهَارِ, هَائِمٌ, وَغَايَةُ مَا تَشْتَهِي مُشَارَكَةُ الْبَهَائِمِ, نَظَرُوا فِي عَوَاقِبِ الأُمُورِ فَقَبَرُوا أَنْفُسَهْمُ قَبْلَ الْقُبُورِ, وَخَرَجُوا مِنْ ظَلامِ الشُّبْهَةِ إِلَى أَجْلَى نُورٍ, فَمَا اسْتَفَزَّهُمْ فَانٍ وَلا أَذَلَّهُمْ غُرُورٌ، عَرَضُوا عَلَى النُّفُوسِ ذِكْرَ الْعَرْضِ فَاعْتَرَضَهَا الْقَلَقُ، وَصَوَّرُوا إِحْرَاقَ الصُّوَرِ فَأَحْرَقَهُمُ الْفَرَقُ, وَتَفَكَّرُوا فِي نَشْرِ الصَّحَائِفِ فَأَزْعَجَهُمُ الأَرَقُ, وَتَذَكَّرُوا محمدة الْمَخَاوِفِ فَسَالَتِ الْحِدَقُ, أَطَارَ خَوْفُ النَّارِ نَوْمَهُمْ, وَأَطَالَ ذِكْرُ الْعَطَشِ الأَكْبَرِ صَوْمَهُمْ, وَهَوَّنَ فِكْرُهُمْ فِي الْعِتَابِ نَصَبَهُمْ, وَنَصَبَهُمْ عَلَى الأَقْدَامِ ذِكْرُ الْقِيَامِ وَأَنْصَبَهُمْ, أَمَّا الأَجْسَادُ فَالْخَوْفُ قَدْ أَنْحَلَهَا, وَأَمَّا الْعُقُولُ فَالْحَذَرُ قَدْ أَذْهَلَهَا, وَأَمَّا الْقُلُوبُ فَالْفِكْرُ قَدْ شَغَلَهَا, وَأَمَّا الدُّمُوعُ فَالإِشْفَاقُ قَدْ أَرْسَلَهَا, وَأَمَّا الأَكُفُّ فَقَدْ كَفَّتْ عَمَّا لَيْسَ لَهَا, وَأَمَّا الأَعْمَالُ فَقَدْ وَاللَّهِ قَبِلَهَا, حَوَانِيتُهُمُ الْخَلَوَاتُ وَبَضَائِعُهُمُ الصَّلَوَاتُ, وَأَرْبَاحُهُمُ الْجَنَّاتُ, وَأَزْوَاجُهُمُ الْحَسَنَاتُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} .
أَصْلُ الْخُشُوعِ: الْخُضُوعُ وَالتَّوَاضُعُ. وَفِي الْمُرَادِ بِهِ هَاهُنَا ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَرْكُ الالْتِفَاتَ في الصلاة. قاله علي عليه السلام.
وَالثَّانِي. السُّكُونُ فِي الصَّلاةِ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
وَالثَّالِثُ: النَّظَرُ إِلَى مَوَاضِعِ السُّجُودِ. قَالَهُ قَتَادَةُ.
عَرَفُوا طَرِيقَ النَّجَاةِ فَوَقَفُوا عَلَى قَدَمِ الأَدَبِ فِي الْمُنَاجَاةِ, فَنَالَ كُلٌّ مِنْهُمْ مَا رَجَاهُ, فَلَهُمْ عِنْدَهُ أَعْظَمُ قَدْرٍ وَجَاهٍ.