ولما كان الصبر شديداً على النفس منافراً للطبع ، لأن النفس مجبولة على النقائص ، مشحونة بالوسواس ، أمر منه لأجل من يحتاج إلى الكمال بما ينهض بها من حضيض الجسم إلى أوج الروح بمقامي التحلي بالكمالات والتخلي عن الرعونات ، وبدأ بالأول لأنه العون على الثاني ، وذكر أشرف الحلي فقال: {وسبح بحمد ربك} أي اشتغل بما ينجيك من عذابه ، ويقربك من جنابه ، بأن تنزه من أحسن إليك عن كل نفص ، حال كونك حامداً له بإثبات كل كمال ، وذلك بأن تصلي له خاصة وتذكره بالذاكرين ، غير ملتفت إلى شيء سواه {قبل طلوع الشمس} صلاة الصبح {وقبل غروبها} صلاة العصر والظهر ؛ وغير السياق في قوله: {ومن آناء الّيل} أي ساعاته ، جمع إنو - بكسر ثم سكون ، أي ساعة ، لأن العبادة حينئذ أفضل لاجتماع القلب وهدوء الرجل والخلو بالرب ، لأن العبادة إذ ذاك أشق وأدخل في التكليف فكانت أفضل عند الله {فسبح} أي بصلاة المغرب والعشاء ، إيذاناً بعظمة صلاة الليل ، وكرر الأمر بصلاتي الصبح والعصر إعلاماً بمزيد فضلهما ، لأن ساعتيهما أثناء الطي والبعث فقال: {وأطراف النهار} ويؤيد ما فهمته من أن ذلك تكرير لهما ما في الصحيحين عن جرير ابن عبد الله البجلي - رضي الله عنهم - قال: كنا جلوساً عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال:
"إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا"، ثم قرأ هذه الآية.