وقوله: {واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ} [الكهف: 32] .
إذن: تُطلَق الجنة على شيء في الدنيا يضمُّ كل ما تطلبه النفس وسمَّوْها الجنة ؛ لأنها تستر بشجرها وكثافتها مَنْ يدخل فيها ، أو جنة لأنها تكفي الإنسان ولا تُحوجه إلى شيء غيرها .
فلا تظلموا آدم بأنه أخرجكم من الجنة ؛ لأنه لم يكُنْ في جنة الخُلْد ، إنما في مكان أعدَّه الله له ، وأراد أنْ يُعطيه في هذا المكان درساً ، ويُدرِّبه على القيام بمهمته في الحياة وخلافته في الأرض .
أرأيتَ ما نفعله الآن من إقامة معسكرات للتدريب في شتى مجالات الحياة ، وفيها نتكفّل بمعيشة المتدرب وإقامته ورعايته .
إنها أماكن مُعدَّة للتدريب على المهام المختلفة: رياضية ، أو علمية ، أو عسكرية . . الخ .
هكذا كانت جنة آدم مكاناً لتدريبه قبل أنْ يباشر مهمته كخليفة لله في الأرض ، فأدخله الله في هذه التجربة العملية التطبيقية ، وأعطاه فيها نموذجاً للتكليف بالأمر والنهي ، وحذَّره من عدوه الذي سيتربص به وبذريته من بعده ، وكشف له بعض أساليبه في الإضلال والإغواء .
وهذه هي خلاصة منهج الله في الأرض ، وما من رسول إلا وجاء بمثل هذا المنهج: أمر ، ونهي ، وتكليف ، وتحذير من الشيطان ووسوسته حتى يُخرِجنا عن أمر الله ونَهْيه .
وبعد هذا (الكورس) التدريبي في الجنة عَلِم آدم بالتطبيق العملي أن الشيطان عدوه ، وأنه سيُغريه ويخدعه ، ثم بعد هذه التجربة أنزله الله ليباشر مهمته في الأرض ، فيكون من عدوه على ذِكْر وحذر .
والبعض يقف طويلاً عند مسألة عصيان آدم: كيف يعصي الله وهو نبي؟ ويذكرون قوله تعالى: {وعصى ءَادَمُ رَبَّهُ فغوى} [طه: 121] .