نقول: ما دام أن آدم عليه السلام هو خليفة الله في أرضه ، ومنه أَنْسَالُ الناس جميعاً إلى أنْ تقوم الساعة ، ومن نَسله الأنبياء وغير الأنبياء ، من نسله الرسل والمرسل إليهم . إذن: فهو بذاته يمثل الخَلْق الآتي كله بجميع أنواعه المعصومين وغير المعصومين .
كما أن آدم عليه السلام مرَّ بهذه التجربة قبل أن يُنبأ ، ومَرَّ بها بعد أن نُبئ ، بدليل قوله تعالى: {وعصى ءَادَمُ رَبَّهُ فغوى * ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وهدى} [طه: 121122] .
فكان الاجتباء والعصمة بعد التجريب ، ثم لما أُهبِط آدم وعدوه إلى الأرض خاطبه ربه: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38] .
وهكذا بدأت مرحلة جديدة في حياة آدم عليه السلام ، ومثَّل آدم الدَّوْريْن: دَوْر العصمة والنبوة بعدما اجتباه ربه ، ودَوْر البشر العادي غير المعصوم والمعرَّض للنسيان وللمخالفة كأيِّ إنسان من أناس الأرض .
ينبغي إذن أن نفهم أن آدم خُلِق للأرض وعمارتها ، وقد هيَّأها الله لآدم وذريته من بعده ، وأعدَّها بكُلِّ مقوِّمات الحياة ومُقوِّمات بقاء النوع ، فمَنْ أراد ترف الحياة فليُعمل عقله في هذه المقوّمات وليستنبط منها ما يريد .
لقد ذكرنا أن في الكون مُلكاً وملكوتاً: الملْك هو الظاهر الذي نراه ونشاهده ، والملكوت ما خفى عنّا وراء هذا الملْك ، ومن الملكوت أشياء تؤدي مهمتها في حياتنا دون أنْ نراها ، فمثلاً ظاهرة الجاذبية الأرضية التي تتدخل في أمور كثيرة في حياتنا ، كانت في حجاب الملكوت لا نراها ولا نعرف عنها شيئاً ، ثم لما اهتدتْ إليها العقول واكتشفتْها عرفنا أن هناك ما يسمى بالجاذبية .
ومن الملكوت الملائكة الموكّلون ، كما قال تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله} [الرعد: 11] .