قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسجدوا لأَدَمَ فسجدوا} [طه: 116] البعض يعترض يقول: كيف تسجد الملائكة لبشر؟ نعم ، هم سجدوا لآدم ، لكن ما سجدوا من عند أنفسهم ، بل بأمر الله لهم ، فالمسألة ليستْ سجوداً لآدم ، بقدر ما هي إطاعة لأمر الله . ولقائل هذا الكلام: أأنت مَلِكيٌّ أكثر من الملك؟ يعني: أأنت ربانيّ أكثر من الربّ؟
وما معنى السجود؟ السجود معناه: الخضوع ، كما جاء في قوله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً} [يوسف: 100] أي: سجودَ تعظيم وخضوع ، لا سجودَ عبادة .
وآدم عليه السلام هو خليفة الله في الأرض ، لكنه ليس الوحيد عليها ، فعلى الأرض مخلوقات كثيرة منها المحسّ ، كالشمس والقمر والنجوم والهواء والماء والأرض والجبال ، وكُلّ ما فيه مصلحة لهذا الخليفة ، ومنها ما هو خفيّ كالملائكة التي تدير خفى هذا الكون ، فمنهم الحفظة والكتبة ، ومنهم المكلَّفون بالريح وبالمطر . . إلخ من الأمور التي تخدم الخَلْق . فلا بُدَّ إذن أن يخضع الجميع لهذا المخدوم الآتي .
وقد يحلو للبعض أن يقول: لقد ظَلَمنا آدمُ حين عصى ربه ، فأنزلنا من الجنة إلى الأرض . نقول: يجب أن نفهم عن الله تعالى ، فالحق تبارك وتعالى لم يخلق آدم للجنة التي هي دار الخُلْد ، إنما خلقه ليكون خليفة له في الأرض ، كما قال سبحانه: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً} [البقرة: 30] .
فأوّل بلاغ من الله عن آدم أنه خالقه للأرض لا للجنة . والجنة ، وإن كانت تُطلَق على دار الخُلْد ودار النعيم الأُخْروي فهي تُطلَق أيضاً على حدائق وبساتين الدنيا ، كما جاء في قول الحق سبحانه:
{إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} [القلم: 17] .