قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ} قد قدمنا الآيات الموضحة له في « الكهف » فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
وقوله في هذه الآية الكريمة: {فتشقى} أي فتتعب في طلب المعيشة بالكد والاكتساب. لأنه لا يحصل لقمة العيش في الدنيا بعد الخروج من الجنة حتى يحرث الأرض ، ثم يزرعها ، ثم يقوم على الزرع حتى يدرك ، ثم يدسه ، ثم ينقيه ، ثم يطحنه ، ثم يعجنه ، ثم يخبره. فهذا شقاؤه المذكور.
والدليل على أن المراد بالشقاء في هذه الآية: التعب في اكتساب المعيشة قوله تعالى بعده: {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تضحى} يعني احذر من عدوك أن يخرجك من دار الراحة التي يضمن لك فيها الشبع والري ، والكسوة والسكن. قال الزمخشري: وهذه الأربعة هي الأقطاب التي يدور عليها كفاف الإنسان ، فذكره استجماعها له في الجنة ، وأنه مكفي لا يحتاج إلى كفاية كاف ، ولا إلى كسب كاسب كما يحتاج إلى ذلك أهل الدنيا. وذكرها بلفظ النفي لنقائضها التي هي الجوع والعري والظمأ والضحو ليطرق سمعه بأسامي أصناف الشقوة التي حذره منها ، حتى يتحامى السبب الموقع فيها كراهة لها ا ه.
فقوله في هذه الآية الكريمة: {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى} قرينة واضحة على أن الشقاء المحذر منه تعب الدنيا في كد المعيشة ليدفع به الجوع والظمأ والعري والضحاء. والجوع معروف ، والظمأ: العطش. والعري بالضم: خلاف اللبس.
وقوله: {وَلاَ تضحى} أي لا تصير بارزاً للشمس ، ليس لك ما تستكن فيه من حرها. تقول العرب: ضحى يضحى ، كرضي يرضى. وضحى يضحى كسعى يسعى إذا كان بارزاً لحر الشمس ليس له ما يكنه منه. ومن هذا المعنى قول عمر بن أبي ربيعة:
رأت رجلاً أيما إذا الشمس عارضت... فيضحي وأما بالعشي فينحصر
وقول الآخر:
ضحيت له كي أستظل بظله... إذا الظل أضحى في القيامة قالصا