{يا أخت هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ أمرأ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} [مريم: 28] يعنون فكيف فجرت أنت وجئت بهذا الولد؟ وكقوله عالى {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} [النساء: 156] .
وقوله: {مكاناً قصياً} القصي ، البعيد ، ومنه قول الراجز:
لتقعدن معقد القص... مني ذي القاذورة المقلي
أو تحلفي بربك العلي... أني أبو ذيالك الصبي
وهذا المكان القصي قد وصفه الله تعالى في غير هذا الموضع بقوله: {وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَآ إلى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} [المؤمنون: 50] . وقوله في هذه الآية الكريمة: {فانتبذت به} أي انتبذت وهو في بطنها. والإشارة في قوله هذا إلى الحمل والمخاض الذي أصابها للوضع.
وقوله في هذه الآية الكريمة عنها: {وكنت نسياً منسياً} النسي والنِّسي - بالكسر وبالفتح -: هو ما من حقه أن يطرخ وينسى لحقارته ، كخرق الحيض ، وكالوتد والعصا ، ونحو ذلك. ومن كلام العرب إذا ارتحلوا عن الدار قولهمك انظروا أنساءكم جمع نسي؟ أي الأشياء الحقيرة التي من شأنها أن تترك وتنسى كالعصا والوتد. ونحو ذلك. فقولها « وكنت نسياً » أي شيئاً تافهاً حقيراً من حقه أن يترك وينسى عادة. وقولها « منسياً » تععني أن ذلك الشيء التافه الذي من عادته أن يترك وينسى قد نسي وطرح بالفعل فوجد فيه النسيان الذي هو حقه. وأقوال المفسرين في الآية راجعة إلى ما ذكرنا ، ومن إطلاق النسي على ما ذكرنا قول الكميت:
أتجعلنا جسراً لكلب قضاعة... ولست بنسي في معد ولا دخل
فقوله « بنسي » أي شيء تافه منسي. وقوله الشنفرى:
كان لها في الآرض نسياً تقصه... على أمها وإن تحدثك تبلت