وقوله: {قَالَتْ ياليتني مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} تمنت أن تكون قد ماتت قببل ذلك ولم تكن شيئاً يذكر. فإذا عرفت معنى هاتين الآيتين - فأعلم أنه هنا لم يبين كيفية حملها به ، ولم يبين هل هذا الذي تنحت عنهم من أجله ، وتمنت من أجله أن تكون ماتت فيب ذلك ، وكانت نسياً منسياً: وهو خوفها أن يتهموها بالزنى ، وأنها جاءت بذلك الغلام من زنى وقعت فه أو سلمت منه. ولكنه تعالى بين كل ذلك في غير هذا الموضع ، فأشار إلى أن كيفية حملها أنه نفخ فيها فوصل النفخ إلى فرجها فوقع الحمل بسبب ذلك ، كما قال {وَمَرْيَمَ ابنة عِمْرَانَ التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} [التحريم: 12] وقال {والتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا} [الأنبياء: 91] الآية. والذي عليه الججمهور من العلماء: أنا لمراد بذلك النفخ نفخ جبريل فيها بإذن الله فحملت ، كما تدل لذلك قراءة الجمهور في قوله: {قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لاًّهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً} [مريم: 19] كما تقدم. ولا ينافي ذلك إسناد الله جل وعلا النفخ المذكور لنفسه في قوله {فنفخنا} لأن جبريل إنما أوقعه بإذنه وأمره ومشيئته ، وهو تعالى الذي خلق الحمل من ذلك النفخ. فجبريل لا قدرة له على أن يخلق الحمل من ذلك النفخ ومن أجل كونه بإذنه ومشيئته وأمره تعالى ، ولا يمكن أن يقع النفخ المذكور ولا وجود الحمل إلا منه إلا بمشيئة جل وعلا - أسنده إلى نفسه - والله تعالى أعلم.
وقول من قال: إن فرجها الذي نفخ فيه الملك هو جيب درعها ظاهر السقوط ، بل النفخ الواقع في جيب الدرع وصل إلى الفرج المعروف فوقع الحمل.
وقد بين تعالى في مواضع أخر ، أن ذلك الذي خافت منه وهو قذفهم لها بالفاحشة - قد وقعت فيه ، ولكت إله برأها ، وذلك كقوله عنهم: {قَالُواْ يامريم لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} [مريم: 27] يعنون الفاحشة ، وقوله عنهم ،