وزيادة ذكر كونها لم تك بغياً مع كون قولها: لم يمسسني بشر يتناول الحلال والحرام لقصد التأكيد تنزيهاً لجانبها من الفحشاء وقيل: ما استبعدت من قدرة الله شيئاً ، ولكن أرادت كيف يكون هذا الولد هل من قبل زوج تتزوّجه في المستقبل أم يخلقه الله سبحانه ابتداء؟ وقيل: إن المس عبارة عن النكاح الحلال ، وعلى هذا لا يحتاج إلى بيان وجه قولها: {ولم أك بغياً} وما ذكرناه من شموله أولى باستعمالات أهل اللغة ، وما يوجد في محاوراتهم مما يطول تعداده اهـ.
{وَلِنَجْعَلَهُ ءايَةً لّلْنَّاسِ} أي ولنجعل هذا الغلام أو خلقه من غير أب آية للناس يستدلون بها على كمال القدرة ، وهو علة لمعلل محذوف ، والتقدير خلقناه لنجعله ، أو معطوف على علة أخرى مضمرة تتعلق بما يدل عليه قوله سبحانه: {هُوَ علي هَيّنٌ} وجملة {قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيّنٌ} مستأنفة ، والقائل هو الملك ، والكلام فيها كالكلام فيما تقدّم من قول زكريا.
وقوله: {وَرَحْمَةً مّنَّا} معطوف على آية أي: ولنجعله رحمة عظيمة كائنة منا للناس لما ينالونه منه من الهداية والخير الكثير ، لأن كل نبيّ رحمة لأمته {وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً} أي وكان ذلك المذكور أمراً مقدّراً قد قدّره الله سبحانه وجف به القلم.
{فَحَمَلَتْهُ} ها هنا كلام مطويّ ، والتقدير: فاطمأنت إلى قوله ، فدنا منها ، فنفخ في جيب درعها ، فوصلت النفخة إلى بطنها فحملته.
وقيل: كانت النفخة في ذيلها ، وقيل: في فمها.
قيل: إن وضعها كان متصلاً بهذا الحمل من غير مضيّ مدة الحمل ، ويدلّ على ذلك قوله: {فانتبذت بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً} أي تنحت واعتزلت إلى مكان بعيد ، والقصيّ هو البعيد.
قيل: كان هذا المكان وراء الجبل ، وقيل: أبعد مكان في تلك الدار.
وقيل: أقصى الوادي.
وقيل: إنها حملت به ستة أشهر.