وقال الأصمعي: (يقال: خلف فلان عن كل خير، فهو يخلف خلوفًا إذا فسد ولم يفلح فهو خالف وخالفة) ، فجاء من هذه الأقوال أن الخالف يكون بمعنى المخالف وبمعنى الفاسد، وكلاهما يجوز في الآية، وقول ابن عباس في هذه الآية: {مَعَ الْخَالِفِينَ} مع الرجال الذين تخلفوا)، يجوز أن يكون من هذا؛ لأن من تخلف عنك فقد خالفك، وقال جماعة من المفسرين: (يريد مع أهل الفساد) ، وهذا معنى ما ذكرنا من قولهم خلف فلان: إذا فسد، ومثله خلف اللبن وخلف النبيذ.
وهذه الآية دليل على أن من ظهر منه نفاق وتخذيل لا يجوز للإمام أن يستصحبه في الغزو، اقتداءً برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما أمره الله به من مباعدتهم عن الجماعة التي تصحب في السفر وتنصر على العدو من أهل الطاعة.
84 -وقوله تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} ، {مَات} في موضع جر؛ لأنه صفة للنكرة كأنه قيل: على أحد منهم ميت، و {أَبَدًا} ظرف لـ {تُصَلِّ} ، كأنه قيل: ولا تصل أبدًا على أحد منهم.
قال عامة المفسرين:(لما مرض عبد الله بن أبي أرسل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأله أن يكفنه في قميصه الذي يلي بدنه ويصلي عليه، فلما مات فعل ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وشهد دفنه، ودلاه في قبره، فما لبث إلا يسيرًا حتى نزلت هذه الآية، ثم كُلم رسول - صلى الله عليه وسلم - فيما فعل بعبد الله بن أبي، فقال:"وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله، والله إني كنت أرجو أن يسلم به ألف من قومه"فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
قال أبو إسحاق: ويروى أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما أجاز الصلاة عليه لأن ظاهره كان الإسلام فأعلمه الله عز وجل أنه إذا علم منه النفاق فلا صلاة عليه) .