يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ وَالْحَاجَةِ، بِمَا لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَيَطْعَنُونَ فِيهَا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّمَا تَصَدَّقُوا بِهِ رِيَاءً وَسُمْعَةً، وَلَمْ يُرِيدُوا وَجْهَ اللَّهِ، وَيَلْمِزُونَ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يَتَصَدَّقُونَ بِهِ إِلَّا جُهْدَهُمْ، وَذَلِكَ طَاقَتَهُمْ، فَيَنْتَقِصُونَهُمْ وَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ اللَّهُ عَنْ صَدَقَةِ هَؤُلَاءِ غَنِيًّا، سُخْرِيَةً مِنْهُمْ بِهِمْ.
{فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} وَقَدْ بَيَّنَّا صِفَةَ سُخْرِيَةِ اللَّهِ بِمَنْ يَسْخَرُ بِهِ مِنْ خَلْقِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا.
{وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
يَقُولُ: وَلَهُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابٌ مُوجِعٌ مُؤْلِمٌ.
وَذُكِرَ أَنَّ الْمَعْنِيَّ بِقَوْلِهِ: {الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ. وَأَنَّ الْمَعْنِيَّ بِقَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ} أَبُو عَقِيلٍ الْأَرَاشِيُّ أَخُو بَنِي أُنَيْفٍ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصَاعٍ مِنْ طَعَامٍ، فَقَالَ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ: وَاللَّهِ مَا جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِمَا جَاءَ بِهِ إِلَّا رِيَاءً، وَقَالُوا: إِنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لَغَنِيَّيْنِ عَنْ هَذَا الصَّاعِ"