قال أبو علي الفارسي: (السنة على معنيين؛ أحدهما: يراد بها الحول والعام، والآخر: يراد بها الجدب، وهو خلاف الخصب، فمما أريد به الجدب هذه الآية، وقوله - صلى الله عليه وسلم -:"اللهم سنين كسني يوسف"، وقول عمر - رضي الله عنه -:(إنا لا نقطع في عام السنة) . أي: في عام الجدب.
وقول حاتم:
فإنَّا نُهِينُ المالُ منْ غَيْرِ ظنَّهٍ ... ولا يَشْتَكِينا في السنينَ ضَرِيرُها
أي: لا يشتكينا الفقر في المحل لأنا نسعفه ونكفيه، ولما كانت السنة يعني بها الجدب اشتقوا منها كما يشتق من الجدب فقيل: أسنتوا كما يقال: أجدبوا). قال الشاعر:
وَرِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجَافُ
وقالوا في جمع السنة: سنون وسنين، وإنما جمعت هذا الجمع للنقصان الذي لحقها، وقد مرّ بيان هذا في هذا الكتاب.
قال أبو زيد: (وبعض العرب يقول: هذه سنين ورأيت سنيناً فيعرب النون) .
ونحو ذلك قال الفراء؛ فمن ذلك قول الشاعر:
دَعَاني مِنْ نَجْدٍ فَإنَّ سِنِينَهُ ... لَعِبْنَ بِنَا شِيبًا وَشَيَّبْننَا مُرْدًا
وقال أبو إسحاق: (السنين في كلام العرب: الجدوب، يقال: مستهم السنة، [ومعناه: جدب السنة] وشدة السنة) .
قال عطاء عن ابن عباس في قوله: {أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ} ، (يريد: بالجوع) .
وقال الفراء: ( {بِالسِّنِينَ} بالقحط والجدوبة عاماً بعد عام) .
قال ابن عباس وقتادة والمفسرون: (السنون لأهل البوادي، {وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ} لأهل القرى) .
وقال الزجاج: (إنما أخذوا بالضر لأن أحوال الشدة ترق القلب وترغب فيما عند الله وفي الرجوع، ألا ترى إلى قوله: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 67] ، وقوله: {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} ) [فصلت: 51] .
وقوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} ، قال ابن عباس: (يريد: كي تتعظوا) .