والاستفهام للتوبيخ؛ أي: أيليق ويحسن لمن ورث أرضاً هلك عنها صاحبها بعد بطره وغروره، وكان هلاكه بسبب إصراره على معاصيه أن يقلدوه في الغرور والتمادي في الذنوب، ويعمل مثل عمله؟ إنه متعرض لمثل ما نزل به أن ينزل به، فلو نشاء أن نؤاخذه بذنوبه ما كان له عمل صالح يدفع عنه العقوبة والعذاب.
وقوله: {وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [سورة الأعراف: 100] معطوف عطف الجملة بعضها على بعض؛ أي: ونحن نطبع على قلوبهم فلم يهتدوا إلى هذا الأمر، فهم لا يسمعون الترهيب فيرهبوا، ولا الترغيب فيرغبوا، ولا المواعظ فيتعظوا.
والحاصل: أن من تشبه بأحد من الهالكين فيما هلكوا فقد عرض نفسه لمثل ما هلكوا به إلا أن يلطف الله به فيتوب؛ نسأل الله تعالى التوبة والمغفرة، فإنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.
وأما ما ذكرناه عن الأمم الهالكين مما اتفقوا عليه من الجرأة والإصرار، فمن تأمل قصصهم وما كانوا يجيبون به رسلهم، وإغلاظهم
لهم، ومناقضة أوامرهم، والمبادرة إلى تكذيبهم، والمداومة منهم على ذلك كله، تحقق جرأتهم على الله، وإصرارهم على معاصيه، وسبب ذلك كله الجهل؛ فإن الجرأة إنما تكون على من يملك المجترئ منه ضرر أو أذى يوصله إليه، وهذا محال؛ فإن الله تعالى ذو البطش الشديد، والفعَّال لما يريد، وهو من وراء خلقهم كلهم محيط بكبيرهم وصغيرهم، منزَّه عن صفات الحَدَث، ووصول الضرر، متعال عن كل ضرر وسوء وأذى، وهو الضار النافع، المعطي المانع، المنعم المنتقم، فالمجترئ عليه لم يدع من الجهل شيئاً.
وقد روى الدينوري في"المجالسة"عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم: أنه سمع رجلاً يقول: ما أجرأَ فلانًا على الله!
فقال القاسم: إن ابن آدم أهون وأضعف من أن يكون جريئاً على الله تعالى، ولكن ما أقلَّ معرفتَه بالله!
وكذلك الإصرار أصله الجهل بالله، والجهل بعذابه وانتقامه مع استحسان ما عليه المُصِرُّ من الضلال، وإعجابه بما له من الرأي الخالي عن الحكمة؛ كَشَفَ اللهُ تعالى عنَا غَمْرةَ الجهل، ورفع عنا سَكْرة الهوى. انتهى انتهى {حسن التنبه لما ورد في التشبه، للعلَّامة/ نجم الدين الغزي} ...