إن أبين البيان بيان الله، وأفضل الكلام كلامه، وهو جلت قدرته منزّه عن النقص والعيب، ومن كماله سبحانه أنه ما أرسل رسولا إلا بلسان قومه، وما أنزل كتابا إلا بلسان النبي المرسل، والقوم المرسل إليهم، وحينئذ
يكون في الخطاب فائدة، وإلا كان ما أنزل عبثا، والله جل ثناؤه يتعالى أن يخاطب أحدا أو يرسل رسالة لا توجب فائدة لمن خوطب به أو أرسل إليه، فذلك في العباد صفة نقص وعيب، والله تعالى متعال عن ذلك.
فإذا عرف هذا تبين أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم العربي المرسل إلى قومه، حمل إليهم الكتاب المنزل بلغتهم وعلى أساليب كلامهم {إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2] ، وكان ما جاء فيه من المعاني واضحة ولمعاني كلامهم موافقة، وظاهره لظاهر كلامها ملائمة. وعليه فليس فيه شيء خارج كلامهم، ولا من لغة غيرهم، لكون ذلك يناقض كمال الحكمة. [1]
ويوجه ابن جرير الآثار السابقة التي أكدت وجود كلمات لها نفس المدلول والمعنى في كلام العرب وكلام غيرهم، بأن القائل بها لم يقل أنها ليست عربية، بل غاية ما قاله أن حرف كذا بلسان الحبشة معناه كذا، وحرف كذا بلسان العجم معناه كذا. قال: ولم نستنكر أن يكون من الكلام ما يتفق عليه ألفاظ جميع أجناس الأمم المختلفة الألسن بمعنى واحد، فكيف بجنسين منها، فمثلا كلمة الدرهم، والدينار، والدواة، والقرطاس، والقلم، وغيرها كثير مما اتفقت فيه الفارسية والعربية باللفظ والمعنى.
واعترض: بأن ما ذكر أصله فارسي لا عربي، أو عربي لا فارسي، أو
(1) انظر: تفسير الطبري: 1/ 128بتصرف.