كما تنوعت اهتمامات العلماء في العصور المختلفة، فتوجهت حينا إلى التصنيف الموضوعي، فظهرت العناوين المختصة في جزئية من جزئيات
العلم، فصّلت مسائلها تفصيلا دقيقا، وحينا آخر إلى التصنيف الموسوعي الذي قصد به العلماء وضع أطراف مسائل العلم بين يدي طلبته مجتمعة.
ويستطيع المتابع لحركة التأليف تلك أن يحدد ثلاث فترات رئيسة مر فيها التأليف في هذا الفن، لكل مرحلة سماتها الموضوعية والمنهجية، وهي:
اتجهت الهمم في هذه المرحلة إلى الكتابة الموضوعية، وبذرت البذرة الأولى في بدايات الدعوة، غير أنها كانت كتابات متنوعة غير منظمة ولا مرتبة، تبعتها فترة الترتيب والتدوين، وجاء القرن الثاني الهجري ليجد حركة علمية ونهضة فكرية كانت بحق عصب النماء والرافد القوي الذي مد العصور اللاحقة بمادة علمية أساسية، أقامت عليها بنيانها، وجعلتها ركيزة وأساسا لذلك البنيان. فظهرت الرسائل الصغيرة وذلك بفصل المواد العلمية المجموعة بعضها عن بعض، وتخصيص كل موضوع بكتاب يحمل عنوانا مستقلا، وظهرت حركة الترجمة، واتسعت دائرة التدوين، وفصلت الموضوعات وتكاملت، وعدّ هذا القرن بحق قرن تدوين العلوم الإسلامية.
وقد امتازت المصنفات في هذه الفترة بتوسع في المادة العلمية عن ذي قبل، وشمول لم يوجد في القرن الذي سبقه، وتنوعت الموضوعات تنوعا أفضل وظهرت موضوعات جديدة لم تكن مطروحة عند السابقين، فأفردت بالتصنيف كعلم مجاز القرآن ومعانيه، وكعلم أسباب النزول وإعراب القرآن
والأمثال وغيرها، وكان الغالب على هذه المصنفات السمة التجميعية، جمع الروايات المعنية بالموضوع، يكتفي المصنف بذكر الآيات أو الروايات والآثار التي تبين ذلك وتوضحه. دون التعرض للمناقشات والإشكالات التي قد تعترض طريق القارئ، ودون التطرق للقواعد أو الضوابط التي تضبط الموضوع المطروق.