بعدها سفّه المصنف من تجاهل وتعامى، واستكبر وتعاشى، فحاول مجاراة النبي صلى الله عليه وسلم فيما أتى به من الحق المبين، فقال من الحماقات المشبهة
دعواه الكاذبة.
وليؤكد المصنف أن معاني كتاب الله المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هي لمعاني كلام العرب موافقة، وظاهره لظاهر كلامها ملائمة، ولأساليبه في أساليبها نظير ومثيل وإن كان مباينة كتاب الله بالفضل والفضيلة ظاهر أثبت منطقيا أنه تعالى يتعالى أن يخاطب خطابا أو يرسل رسالة لا توجب فائدة لمن خوطب أو أرسلت إليه، فالمخاطب والمرسل إليه إن لم يفهم ما خوطب به أو أرسل إليه يكون حاله قبل الخطاب وبعد مجيئه سواء، إذ لم يفده الخطاب والرسالة شيئا، ولهذا كان كل كتاب أنزل فإنما هو بلسان قوم من أنزل عليه، وعليه فالقرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين.
ما أقره الطبري في الباب السابق من تنزيه الله جل ذكره مخاطبة أحد من خلقه إلا بما يفهمه وهو أمر مسلم لا ينازع فيه بصير يثبت عربية جميع ألفاظ القرآن الكريم ومعانيه، ولأنه ورد في بعض الآثار ما يوحي بأعجمية شيء من ألفاظ القرآن الكريم، وأنه بلغات أقوام وأجناس غير العرب وهو أمر مشكل يفيد ظاهره أن في القرآن من غير لسان العرب خصّ المصنف الموضوع بحديث مستقل لتجلية الأمر، وتوضيح المراد.
فبعد أن عرض جملة من تلك الآثار المشكلة في ظاهرها، والتي لم يكثر منها إيمانا منه أن في ذكرها إطالة للكتاب دونما فائدة، بيّن أن ما ورد في هذه
الآثار لا تخالف ما انتهى إليه في الباب السابق، ولا تخرج عن معناه، لكون ما جاء فيها لم تنف عربية تلك الكلمات، بل غاية ما دلت عليه هو وجود اتفاق بين الأجناس في معنى هذه الألفاظ، وهو أمر يقره المصنف، وعلى ذلك سرد احتمالات وأوجه ما قد يبين أصول تلك الألفاظ، وانتهى إلى أن من يدعي أحقيته بأصل هذه الألفاظ، وأنه مصدرها ومخرجها إلى الأجناس الأخرى كان مستجهلا ومدع أمرا لا يوصل إلى حقيقة صحته إلا بخبر يوجب العلم، ويزيل الشك، وهو أمر متعذر.