وحين انتشرت الروايات الكثيرة في القراءات التي وردت على لسان
رسول الله صلى الله عليه وسلم وافترقت الصحابة رضوان الله عليهم في البلدان، ووقع بين أهل الشام والعراق ما وقع من الخلاف في القراءة، ونقل حذيفة الأمر لعثمان بن عفان رضي الله عنهما رجاء أن يدرك الأمة قبل أن يشتد الخلاف، استناب عثمان الكفاءات العلمية الفصحاء ليكتبوا القرآن، ويجعلوا ما اختلفت القراءة فيه على أشهر الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفصح اللغات، فترك الناس ما خرج عنه مما كان كتب، سدا للذريعة، وتغليبا للمصلحة.
بعدها ذكر المصنف مصحف ابن مسعود رضي الله عنه وأن العلماء تركوه سدا للذريعة ولكونه حوى أشياء على جهة التفسير، كما ذكر قراءات القراء السبع المشتهرة، وشاذ القراءة، وقراءة أبي السمال.
وختم الباب بالإشارة إلى أن ما تعرض له في هذا الباب قد وقع فيه خلاف غير أنه أعرض عن ذكره والغوص فيه تجنبا وكراهية للإطالة، والتزاما بالمنهج.
أشار المصنف في بداية حديثه أن القرآن كان مجموعا في صدور الرجال، كما كان مكتوبا في الصحف واللخاف وغيرها من وسائل حفظ المكتوبات، فلما استحر القتل بالقراء يوم اليمامة، جمع المصحف بإشارة من عمر رضي الله عنه وندب من أبي بكر رضي الله عنه فجمعت الصحف على
يد زيد رضي الله عنه، وبقيت تلك الصحف مجموعة إلى خلافة عثمان رضي الله عنه حين اختلف الناس في المصاحف التي انتشرت على الأحرف السبعة، كمصحف ابن مسعود، ومصحف أبيّ بن كعب وغيرهما، فندب عثمان رضي الله عنه زيد بن ثابت وغيره بإيحاء من حذيفة رضي الله عنه إلى جمع الناس على مصحف واحد، ووضع لهم عثمان منهج الجمع والتدوين، فنسخت الصحف، عدة نسخ، وأرسلت إلى الأمصار لاعتمادها، وأمر بما سواها أن تحرق أو تخرق.