انتقل عقب ذلك إلى الموضوع الثاني، فأورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه
قال: «من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» ، وذكر أن مراده صلى الله عليه وسلم أن يسأل الرجل عن معنى في كتاب الله فيتسور عليه برأيه دون نظر فيما قاله العلماء، ولهذا فإن التفسير المبني على النظر في الأدلة لا يدخل في هذا الحديث، وأن من السلف من كان يتحرج من الخوض في تفسير الآيات بالرأي تورعا واحتياطا، وأن آخرين منهم فسروا كثيرا من الآيات بعد أن ملكوا أدوات التفسير، وهؤلاء كانوا أشفق على الأمة في ذلك، إذ بينوا الغريب من الألفاظ، والغامض من المعاني.
وبذلك انتقل للحديث عن الموضوع الثالث، وهو الأخير في هذا الباب، فذكر يرحمه الله نماذج ممن برزوا في جانب التفسير، من الجيل الأول، وإلى عصره، وقال معقبا: وكلهم مجتهدون مأجورون. وقد جاء هذا الباب في أربع صفحات.
هذا أطول باب تعرض له المصنف في مقدمته، فقد جاء في خمس عشرة صفحة، قرر المصنف في بدايته اختلاف الناس فيه اختلافا شديدا، ثم ذكر بعض تلك الآراء في بيان معنى الأثر الوارد فيه، يعقب على كل قول يورده، فيضعف بعضها، ويجوّز غيرها، ويناقش القائل.
وارتضى من الأقوال اختيار أبي عبيد وغيره من أهل العلم، وهو أن
معنى الحديث أنه سبع لغات لسبع قبائل، ورجح الرأي وانتصر له، ثم سعى لتحديد القبائل التي نزل القرآن على لغاتها، فذكر أنها قريش، وكنانة، وأسد، وهذيل، وتميم، وضبّة وألفافها، وقيس، وهي القبائل التي انتهت إليها الفصاحة، وسلمت لغاتها من الدّخل.