شهدت حركة التأليف في علوم القرآن كغيره من العلوم الإسلامية تطورا سريعا، فما أن أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتابة حتى تسابقت أقلام الصحابة إلى تدوين العلوم والأخبار، وخاصة ما تعلق منها بالوحي المنزل وبالسنة النبوية القولية منها والفعلية.
واستمرت الكتابة والتأليف في شتى الموضوعات والفنون المتعلقة بكتاب الله في العصور المختلفة، وأعمل العلماء فكرهم لاستنباط درر هذا الكتاب وكنوزه، وتسابقوا في مضمار هذا الشرف العظيم، فكان منهم المجلي ومنهم من دون ذلك، حتى رأت الأجيال المسلمة وخلال فترة قصيرة المكتبات الخاصة والعامة تكتظ بالمصنفات العظيمة التي يقف الإنسان أمامها مشدوها كمّا وكيفا.
وقد استمر التأليف إلى عصرنا الراهن، ومر خلال تلك المدة بمراحل متنوعة من القوة والضعف، فيقوى في فترة من الفترات، وتشتد أوارها، وتكثر المصنفات، ويزدهر التأليف والتصنيف، ويفتر حينا فيمر بفترة ضعف وجمود، تخفت فيها تلك الجذوة الوهّاجة التي شهدها من قبل، فيضعف التأليف، كما يضعف الإقبال على طلب العلم.
كما تنوعت اهتمامات العلماء في العصور المختلفة، فتوجهت حينا إلى التصنيف الموضوعي، فظهرت العناوين المختصة في جزئية من جزئيات
العلم، فصّلت مسائلها تفصيلا دقيقا، وحينا آخر إلى التصنيف الموسوعي الذي قصد به العلماء وضع أطراف مسائل العلم بين يدي طلبته مجتمعة.