ولأنه قد يظن ظان أن عمل المصنف قد اقتصر على اختصار كتاب
سلفه ليس إلا، عمد رحمه الله إلى بيان جهده وعمله، والجديد الذي قدمه، وذلك حين ختم التقديم بذكر ما ينبغي أن لا يخلو منه أي كتاب سبق مصنفه في موضوعه، في إشارة منه إلى استبعاد ذلك الظن من ذهن القارئ، والتأكيد على أن لديه ما هو جديد، وأنه قد أعمل الفكر فاستنبط ما كان معضلا، وجمع المتفرق، وشرح الغامض وأحسن التبويب، وأسقط الحشو والتطويل، وسأل الله التوفيق والقبول، ثم قبل أن يشرع في التفسير قدم المقدمات الثلاثة واعتبرها فصولا، وهي:
هذا باب واسع، يذكر المصنفون تحته آثارا وروايات كثيرة، بل يفردونه بالتأليف لأهميته، غير أن الخازن لم يكن من أولئك، وكأنه رأى أن المقام ليس مقام ذلك، فذكر روايات بعدد انتقاها من بين تلك الآثار الكثيرة، وهي روايات مشهورة صحيحة تناولت فضل القرآن وفضل حامله وتعلمه وتعليمه، وتلاوته وقراءته، مع بيان الغامض من الألفاظ، وشرح الغريب منها، وتحليل العبارات وبيان المعنى المراد منها، والتعقيب على ما احتاج منها إلى تعقيب.
الفصل الثاني: في وعيد من قال في القرآن برأيه من غير علم، ووعيد من أوفى القرآن فنسيه ولم يتعاهده:
الذي ذكره المصنف في هذا الفصل موضوعان مختلفان، يجمع بينهما الوعيد الوارد في حقهما وهو الأمر الذي ربما لأجله جمع المصنف بينهما في
حين نجد أن معظم من تناولهما قد فصل بينهما ولم يقرن، وقد نهج الخازن في عرضهما نهجه في الموضوع السابق، فاستهل الفصل بالمروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في تبوأ النار لمن قال في القرآن برأيه بغير علم، وأورد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه إحجامه عن تفسير كلام الله برأيه، ثم ذكر اختلاف العلماء في المراد من النهي عن القول في القرآن بالرأي، فذكر أن النهي وارد في حق من يتأول القرآن على مراد نفسه، وما هو تابع لهواه، بعلم، كاحتجاج الباطنية والخوارج ببعض الآيات على تصحيح بدعتهم وهم يعلمون أن المراد غير ذلك أو بغير علم، كتفسير الآية بغير ما تحتمله من الوجوه. وهما قسمان مذمومان داخلان في النهي، والوعيد الوارد هو في حقهما.