الرأي الثالث: أن ترتيب السور توقيفي من الشارع: وهو رأي القرطبي والخازن، صرّحا بذلك في مقدمتيهما.
قال القرطبي: وقال قوم من أهل العلم إن تأليف سور القرآن على ما
القرآن الكريم وسوره» قوله: وهذا أي ضم براءة إلى الأنفال بغير بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مسلّم إذ كيف نثبت في المصحف أمرا على مجرد الظن ومن عثمان وحده. ثم إن قوله «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما يأتي عليه الزمان الخ» يدل في الجملة على التوقيف في القرآن. وقوله «فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها» بعيد إذ الأنفال نزلت في السنة الثانية عقب غزوة بدر، وسورة التوبة نزلت في أواخر التاسعة بعد غزوة تبوك، وبعد خروج أبي بكر على رأس المسلمين إلى الحج، فكيف يعقل أن يظل رسول الله صلى الله عليه وسلم زهاء خمسة عشر شهرا ولا يبين للناس أنها منها أو غيرها؟ إنه بذلك يكون قد تأخر عن البيان في وقت الحاجة إليه، بل وما تقبل البيان، وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك، ثم إن إطلاق الاسم على كل منهما واختلافه فيهما يعين أن هذه غير تلك، فقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم كلا منهما.
إلى أن قال: ثم إن عثمان رضي الله عنه يقول: «فظننت أنه منها» وظنه هذا ليس حجة في أمر القرآن، فإنه وإن لم يقف على ما يفيد القطع في براءة والأنفال وفعل ما فعل بناء على ظنه إلا أن غيره وقف، وقبل ما فعله ولم يتوقف. اهـ.
قلت: النصوص التي جاءت تشهد أن أغلب السور كانت مرتبة بتوقيف النبي صلى الله عليه وسلم، وليس معنى هذا أن السور الأخرى لم تكن مرتبة، أو ليس لها أدلة عند الصحابة الذين رتبوا مصاحفهم، حتى جاءت تلك المصاحف شبيهة في الترتيب إلى حد بعيد. بل قد يكون غاب عن بعضهم ما لم يغب عن الآخرين. والله أعلم.