وهذا العمل من المصنف اجتهاد منه، غير أنني أرى أن إيراد المعاني في سياق الآية لها مدلولها الخاص، وفصل المصنف للكلمة من موقعها، وإلزامه القارئ بالعودة إلى مقدمته لمعرفة المراد من مفردة ما، فيه تشتيت للذهن وبتر للمعاني. فكان الأولى أن لا يستغني عن البيان في موضعه من الآية، ويبقى ما في المقدمة لمن أراد التوسع في معنى المفردة.
وقد نافت المقدمتان مع خطبة الكتاب على خمسين صفحة من القطع المتوسط، استطاع المصنف أن يضيف شيئا جديدا إلى هذا الفن، وأن يعالج المسائل المطروقة برؤية جادة، ونظرة فاحصة، فالمصنف لم يكن تبعا في الذي أورده، بل تجده معتدا بنفسه، يقدم رأيه بوضوح وثبات.
ومع ما جاء فيها من الآراء والمناقشات فإن تأثيرها لم يظهر في المتأخرين، حتى أولئك الجماعين في علوم القرآن، فأصحاب المصنفات لم يعتمدوه مرجعا لهم، ولا تطرقوا لآراء المصنف، ولعل ذلك يعود إلى عدم شهرة الكتاب، فإن السيوطي فارس هذا الشأن لم يذكر ابن جزي في إتقانه، ولا ذكره في كتابه الذي خصه لذكر المفسرين (طبقات المفسرين) ، ولهذا استدركه تلميذه الداودي، فأورد له ترجمة مختصرة في طبقاته.
وحين طبع الكتاب، وانتشر في العهد الأخير، وتناقله طلبة العلم، وجدنا اسم ابن جزي يتردد على صفحات المؤلفات المختصة في الدراسات القرآنية، كما وجدنا لآرائه صدا طيبا، سواء في علوم القرآن خاصة أو في التفسير عامة، حتى خصّ بدراسة مستفيضة أظهرت كثيرا من الجوانب
الشخصية والعلمية المتفوقة في حياة ابن جزي.