انتقل المصنف بعد هذا للحديث عن التفسير بالرأي والاجتهاد، فبيّن أن كون القرآن في تلك المنزلة من الإعجاز في النظم والمعنى يستدعي لمن أراد العمل بموجبه ضرورة استخراج معاني ألفاظه، وهو أمر يحتاج إلى زيادة تأمل في الألفاظ والآيات ليصل المرء إلى جميع ما تضمنته تلك الألفاظ من المعاني، واحتملته من التأويل، ولهذا لا مناص من القول بضرورة
الاجتهاد في فهم النص، وهو أمر تعبّد الله تعالى به خلقه في خطابهم بلسان عربي مبين، فقال تعالى {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] .
ثم عرّض بأولئك الذين فهموا قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه جندب بن عبد الله رضي الله عنه [1] : «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» [2]
فهما خاطئا، فظنوا أنه الإحجام عن التفسير وإن كانت الشواهد واضحة، وأمرّوا الحديث على ظاهره، فوصفهم بقلة العلم، ونعتهم بضعف الخبرة.
بعدها بيّن تأويل الحديث على الوجه الصحيح الذي رآه، فقال: ولهذا الحديث إن صحّ تأويل معناه: أن من حمل القرآن على رأيه، ولم يعمل على شواهد ألفاظه فأصاب الحق فقد أخطأ الدليل. [3] وهو فهم معتبر للنص ارتضاه خلق ممّن جاء بعده كابن عطية والقرطبي وغيرهما.
إثرها ذكر المصنف المروي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن
(1) هو جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي العلقي، صحابي سكن الكوفة والبصرة، توفي في فتنة الزبير فيما بين (7060هـ) انظر: الاستيعاب لابن عبد البر: 1/ 217 والإصابة لابن حجر: 1/ 248.
(2) رواه الطبري في التفسير: 1/ 79، والبغوي في شرح السنة: 1/ 259، والنسائي في فضائل القرآن: 114، والترمذي في سننه: 5/ 200، وقال: وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي حزم. وقال الحافظ في التقريب: 1/ 338عن سهيل بن أبي حزم: ضعيف.
(3) انظر النكت والعيون: 1/ 35.