وأصحه، وما ذلك إلا لما حواه من الآثار التي رواها المصنف بسنده، وتحرّى صحتها بطريقته، وقد كان لهذا الكم الهائل الأثر الواضح في توسع ابن جرير في المقدمات التي قدمها بين يدي تفسيره، حيث وجد منها منطلقا فسيحا رحبا، للحديث عن علوم القرآن التي يرى المصنف ضرورة إلمام المفسر وقارئ التفسير بها، قبل الخوض في الطوال من المصنفات، وقد أضاف ابن جرير إلى ذخيرته من المأثور ما توصل إليه بإعمال الفكر، وإدامة النظر في النصوص، حتى فاق في مقدماته من جاء بعده، بل عدّ مرجعا يستند إليه المفسرون والمصنفون في علوم القرآن، خاصة في جانب الرواية، وعرض الآراء.
وكان لجهوده أثر بيّن واضح في خدمة هذا الفن أقصد فن المقدمات حتى نما وترعرع وضبطت مسائله، واتسعت مباحثه وعلومه.
وعدد هذه المقدمات التي قدمها المصنف بين يدي تفسيره بلغت عشر مقدمات، حسب تقسيم المصنف، يطول في بعضها نفس المؤلف طولا ملحوظا، في حين يقتصر في البعض الآخر على ذكر روايات بعدد، يرويها في المعنى الذي هو بصدده.
وقد سودت المقدمات مائة وست صفحات من الطبعة التي اعتمدتها أصلا في هذه الدراسة، وهي الطبعة التي نحسبها خالية من الأخطاء بعناية الأخوين الفاضلين محمود وأحمد محمد شاكر.
وبالنظر في المقدمات العشر ودراستها بإمعان يلحظ المرء أن ابن جرير
قد أدمج موضوعات، وأدخلها تحت مسمّى واحد، ربما لوحدة الموضوع، إلا أن من حقها أن تفرد، فهي موضوعات مستقلة، قائمة بذاتها، لها آثارها ورواياتها، ولها ضوابطها المستقلة ما دمنا قد ارتضينا فصل أو (نزع) علوم القرآن من علم الحديث والرواية وهو أمر تفهّمه المتأخرون وارتضوه، وساروا عليه كالسيوطي وابن عقيلة وجل المعاصرين.