ثم إن غالب هذه العلوم علوم نقلية تعتمد على الرواية أصلا، تكون مع المتقدم فيبلغها المتأخر، وبذلك يجتمع في صدر المتأخر المبرز ما لا يجتمع لغيره، وكان الشافعي واحدا من أولئك، أليس هو من وضع علم أصول الفقه بقواعده وضوابطه في تلك الفترة المتقدمة جدا؟
إن النصوص تؤكد أن الكتابة في جملة من علوم القرآن كانت متقدمة جدا وإن بعض تلك العلوم قد أفردت بمؤلفات مستقلة، ونظرة سريعة في كتاب «الفهرست» لابن النديم [1] الذي صنف كتابه عام (377هـ) تبين أن التأليف في عدد من تلك العلوم كان مبكرا، فمن العلوم التي عدها ابن النديم وذكر التأليف فيها: التفسير، ومعاني القرآن، ومشكله، ومجازه، وما ألف في غريب القرآن، ولغات القرآن، والقراءات، والنقط، والشكل، وما كتب في لامات القرآن، وفي الوقف والابتداء، وما دون عن اختلاف المصاحف، والمتشابه، وهجاء المصاحف، وفي مقطوع القرآن وموصوله، وفي أجزاء القرآن، وفضائله، وفي عد آي القرآن، وناسخه ومنسوخه، نزوله، وأحكامه وغيره. [2]
إن ابن النديم قد ذكر أكثر من ثلاثين علما أفرد بالتصنيف في الفترة
(1) هو محمد بن إسحاق بن محمد بن أبي يعقوب النديم، كان معتزليا شيعيا يعمل وراقا، له الفهرست، مات (438هـ) . انظر: لسان الميزان لابن حجر: 5/ 72والأعلام للزركلي: 7/ 29.
(2) انظر: الفهرست لابن النديم: 31وما بعده.