العلوم تغيب على مثل الإمام الشافعي الذي جاء في عصر ورث فيه العلماء علم السابقين، وانتشرت فيه العلوم، وكثر أولئك الذين تفقهوا في الدين، وجعلوا شغلهم الشاغل التفكر في كتاب الله، وتعلم كل ما يخدم تفسيره وبيانه للناس، لقد وجد رضي الله عنه نفسه أمام حصيلة من العلوم الشرعية أعمل فيها ما منحه الله من قوة الفكر وسلامة العارضة، فأجاد وأصاب.
إن ما تهيأ لمثل الشافعي لم يتهيأ لمن قبله، فالمتأخر يقف عادة على حصيلة علوم المتقدمين، ويجدها مجموعة في أخبارهم والمروي عنهم. فلا يستبعد عن مثل الشافعي الإلمام بمثل هذه العلوم بأي حال من الأحوال.
هذا هو الفضيل وهو أيضا من أهل القرن الثاني، يعدد لطلبته سنة خمس وثمانين ومائة جملة من علوم القرآن، فقد أورد القرطبي في «تفسيره» أن الفضيل [1] قال لمجموعة من تلامذته: لن تعلموا القرآن حتى تعرفوا إعرابه ومحكمه من متشابهه، وناسخه من منسوخه، إذا عرفتم ذلك استغنيتم عن كلام فضيل وابن عيينة [2] . [3]
(1) هو الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي، إمام ثبت، حدث عن الأئمة، عرف بالصلاح والصدق في القول، توفي (187هـ) . انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي:
8/ 421وحلية الأولياء لأبي نعيم: 8/ 84.
(2) هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران الهلالي، إمام مشهور لقي الكبار، واشتهر بعلوم الإسناد، توفي (198هـ) . انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: 8/ 454وتهذيب التهذيب لابن حجر: 4/ 117.
(3) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 1/ 22.