فهرس الكتاب

الصفحة 998 من 1226

ونقول ثانيًا: لا ريب أن مكافحة الفقر من مقاصد التشريع الإسلامي، لكن الغاية لا تبرر الوسيلة، فلا يجوز سلوك طرق غير مشروعة لتحقيق الهدف المشروع. وقد كان الميسر في الجاهلية يتباهى به العرب في إعطاء المحتاج والفقير، ومع ذلك نزل القرآن بتحريمه قطعًا. كما أن اليانصيب الحكومي في دول الغرب وغيرها هدفه مكافحة الفقر وعلاج المرضى وتوظيف العاطلين، وغير ذلك من الأهداف الاجتماعية. فهل هذا يجعل اليانصيب مشروعًا؟ إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، فمن رام تحقيق الأهداف النبيلة فلا بد له من سلوك الطرق المناسبة لهذه الأهداف.

ونقول ثالثًا: إن هذا النظام هو نفسه من أسباب الفقر، لأنه يركز الثروة في أيدي القلة القليلة على حساب الكثرة الكاثرة، كما سبق. فإن كان الهدف هومكافحة الفقر ومحاربة تركيز الثروة، فالواجب منع هذا النظام ومحاربته. وهذا يؤكد أن الوسائل المحرمة لا تفضي إلى مصالح مشروعة، بل إلى مفاسد محرمة. ومن نظر إلى الوسائل وأعرض عن المآلات، أو نظر إلى المآلات وأعرض عن الوسائل، وقع في التناقض ولا بد. ومن جمع بينهما ائتلفت عنده المقاصد والأحكام، واتفق الحكم الخاص بالعقد مع الحكم العام للنظام بمجموعه، وهذا بحمد الله بيّن لكل منصف.

الخلاصة

إن نظام هبة الجزيرة يجمع بين الميسر والربا، مع ما فيه من التحايل المذموم، فهو محرم شرعًا. وبيان ذلك:

1.إن المقصود الأهم من الشراء هو الهبة، وهذا هو شأن العقلاء الذين تتعلق بهم الأحكام الشرعية، وهو الواقع الذي ثبت بالرؤية والمشاهدة، وباعتراف أصحاب الشركة أنفسهم. والقُرص ما هو إلا ستار وحيلة لإخفاء حقيقة المعاملة.

2.إن المعاملة بذلك تصبح مبادلة بين 500 نقدًا و15000 محتملة، وهذا يجمع بين القمار وبين الربا، وكلاهما محرم بالنص والإجماع.

3.إن النظام بمجموعه هو النظام الهرمي القائم على أكل المال بالباطل وربح الأقلية على حساب الأكثرية، وكلاهما محرم أيضًا بالنص والإجماع.

وختامًا ندعو كل من يرتاب في صحة هذه النتائج إلى النظر في حقيقة هذه المعاملة وغايتها، والنظر في واقع المتعاملين وما الذي يسعون له فعلًا، ثم عرض هذه الحقيقة وهذه الغاية على قواعد الشريعة وأحكامها ومقاصدها. فالأحكام الشرعية تبنى على الحقائق والمقاصد، لا على الصور والمظاهر إذا ناقضت الحقائق.

اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا وإخواننا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

والحمد لله رب العالمين.

د. سامي بن إبراهيم السويلم 3/11/1426

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد.

فقد انتشر التمويل من خلال التورق المنظم في السنوات الأخيرة بصورة غير مسبوقة، واستفحلت بسببه مديونية الأفراد، وترافق ذلك مع تدهور توزيع الدخل وارتفاع تركيز الثروة بدرجة ملحوظة.

وقد نتج عن انتشار هذا التمويل لدى المصارف الإسلامية تساؤلات جوهرية حول حقيقة التمويل الإسلامي والرسالة التي وجدت المصارف الإسلامية أصلًا من أجلها. فبينما كان دعم التنمية والإسهام في النشاط الحقيقي للاقتصاد على رأس قائمة أهداف المصارف الإسلامية، من خلال المشاركة والاستصناع والإجارة ونحوها من المبادلات الحقيقية، تراجعت هذه الأهداف بعد بروز التورق المنظم، وحل محلها أهداف"أكثر واقعية"، تقتصر على تحقيق الربح من خلال تقديم النقد الحاضر مقابل أكثر منه في الذمة، مع توسيط سلع لا أثر لها في النشاط الحقيقي أو في توليد قيمة مضافة للاقتصاد.

وهكذا صار التورق المنظم سببًا في التراجع عن أهم أهداف المصارف الإسلامية، وسببًا لتشكيك الكثيرين، من المسلمين وغير المسلمين، في جدوى التمويل الإسلامي أصلًا، وما إذا كانت هناك فروق فعلية بينه وبين التمويل الربوي.

ولذلك لم يكن غريبًا وقوع النزاع بين الفقهاء المعاصرين حول مشروعية هذا النمط من التمويل، وتتابع المناقشات والمداولات بشأنه عبر سلسلة من الندوات والمؤتمرات، كان خاتمتها اجتماع مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، والذي صدر قراره في أواخر 1424هـ بمنع التورق المنظم وأنه يأخذ حكم العينة الثنائية.

وقد قدمت العديد من البحوث والدراسات حول الموضوع، بين مؤيد ومعارض. انصب معظمها حول الاستدلال بشتى أنواع الأدلة حول مدى مشروعية هذه الصيغة من عدمه. لكنها تكاد تتفق على أن هذه الصيغة تبدو مستحدثة وغير مطروقة في مصادر الفقه الإسلامي ومدوناته.

لكن تبين أن هذه الصيغة كانت معروفة منذ القرن الأول للهجرة، وأن فتاوى السلف بشأنها كانت صريحة وحاسمة في منعها. ونظرًا لغياب هذه الحقيقة عن كثيرين، جاء هذا البحث ليسلط الضوء على هذا الجانب، وليسهم في بناء تصور أكثر موضوعية ومصداقية في هذه المسألة الخلافية.

ولتتضح الصورة للقارئ نمهد بتحديد المصطلحات محل البحث:

مفهوم التورق وأنواعه

التورق أو التورق الفردي: هو الحصول على النقد من خلال شراء سلعة بأجل ثم بيعها نقدًا لطرف آخر غير البائع.

التورق المنظم: هو أن يتولى البائع ترتيب الحصول على النقد للمتورق، بأن يبيعه سلعة بأجل ثم يبيعها نيابة عنه نقدًا ويقبض الثمن من المشتري ويسلمه للمتورق.

التورق المصرفي: كثيرًا ما يستخدم هذا المصطلح رديفًا للتورق المنظم. لكن يمكن التمييز بينهما بأن التورق المصرفي هو تورق منظم يسبقه مرابحة للآمر بالشراء، حيث الآمر بالشراء هو المتورق. والسبب أن المصارف في الغالب لا تملك سلعًا ابتداء، فإذا رغب العميل في الحصول على النقد من خلال التورق المنظم عبر المصرف، تطلب الأمر شراء المصرف السلعة لأمر المتورق، ثم بيعها عليه بأجل، ثم بيعها نقدًا وتسليم النقد للعميل.

فتاوى السلف في التورق المنظم

1.الإمام سعيد بن المسيب (94هـ)

وهو أعلم التابعين، وأفقه الناس في البيوع (1) . كان يفتي والصحابة رضي الله عنهم أحياء، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إذا سُئل عن شئ يشكل عليه يقول: (سلوا سعيد بن المسيب فإنه كان يجالس الصالحين) (2) .

روى عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن داود بن أبي عاصم الثقفي أن أخته قالت له: إني أريد أن تشتري متاعًا عِينة، فاطلبه لي. قال: فقلت فإن عندي طعامًا، [قال:] فبعتُها طعامًا بذهب إلى أجل، واستَوفَتْه. فقالت: انظر لي من يبتاعه مني. قلت: أنا أبيعه لك. قال: فبعتها لها. فوقع في نفسي من ذلك شئ. فسألتُ سعيدَ بن المسيب فقال: (انظر ألا تكون أنت صاحبه؟) قال: قلت فأنا صاحبه. قال:"فذلك الربا محضًا، فخذ رأسمالك، واردد إليها الفضل"، هذا لفظ عبد الرزاق.

ولفظ ابن أبي شيبة: عن داود بن أبي عاصم أنه باع من أخته بيعًا إلى أجل، ثم أمَرَتْه أن يبيعه، فباعه. قال: فسألتُ سعيد بن المسيب فقال: (أبصر ألا يكون هو أنت؟) قلت: أنا هو. قال: (ذلك الربا، فلا تأخذ منها إلا رأسمالك) (3) .

وهذا الأثر يتضمن عددًا من الدلالات المهمة:

1.إن هذه المعاملة التي تمت بين داود وأخته كانت من التورق المنظم، لأن داود هو الذي باع السلعة بأجل ثم تولى بيعها نقدًا نيابة عن أخته لطرف ثالث. ويدل على أن البيع النقدي كان لطرف ثالث أمور:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت