فهرس الكتاب

الصفحة 705 من 1226

والوجه الثاني - وهو المهم: أنّ الربا إنّما حُرّم تحريمًا قاطعًا في أواخر العهد المدني بعد أن بلغت دولة الإسلام كمال عزّها، وبعد أن أنزل الله: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) ) (المائدة: 3) .

ولذا فإنّ آيات الربا هي آخر ما نزل من القرآن كما هو معلوم عند أهل العلم، فأين المجتمع الطبقي في زمن سيّد الخلق ـ عليه أفضل الصلاة والتسليم ـ ودولته، وهو الذي بُعث لإزالة مثل هذا المجتمع ؟!..

أمّا قوله تعالى: (( لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ) ) (آل عمران: 130) . فقد نزل - كما هو معلوم - في أعقاب غزوة أحد في السنة الثالثة للهجرة، قبل أن يحرّم الربا تحريمًا قاطعًا، فلا مفهوم له كما يظنّ كثير من الناس، ممن لا علم له بنصوص الشريعة، ومقاصدها وتدرجها في بعض الأحكام.

ثمّ من الذي يحدد المقاصد الشرعية، هل يحددها كاتب صحفي غير متخصص، أم يحددها العلماء الراسخين في العلم ؟

أمّا احتجاج الكاتب بما تفعله شركات التقسيط أو البنوك من شراء السلع نقدًا شراء صوريًا ثم بيعها على الناس بفوائد كبيرة باسم التورق، فهذا وإن أجازه بعض أهل العلم، فالذي عليه أهل التحقيق أنّه لا يجوز، وقد نبّه إلى ذلك المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته السابعة عشرة بمكة المكرمة، وانتهى إلى تحريمه من وجوه، وأنّه لا يعدو أن يكون ضربًا من التحايل، وبيّن الفرق بينه وبين التورق الحقيقيّ، وقد قامت صحيفة الرياض مشكورة بنشر هذا القرار ضمن قرارات المجمع في عددها (12960) .

وممن نبّه إلى ذلك وحذّر منه شيخنا العلامة محمّد الصالح العثيمين رحمه الله، في محاضرة له بعنوان ( الحيل في المعاملات) ألقاها في مدينة الرياض، وقد سمعته بأذني وكنت من بين الحضور.

هذا، وإنّ من القواعد المهمة في موضوع المعاملات أنّ كلّ قرض جرّ نفعًا مشروطًا أو معلومًا فهو ربا.

وختامًا ، آمل من الكاتب أن يتنبّه إلى ذلك، وألا يستعجل في طرح مثل هذه القضايا الخطيرة قبل استشارة أهل العلم، والله ولي التوفيق.

الدكتور/ سلمان بن صالح الدخيل

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:

فهذا بحث في التعويض عن الأضرار المترتبة على المماطلة في الديون وأحكامها.

وفيه تمهيد ومبحثان:

المبحث الأول: ضرر مجرد التأخير في المماطلة في الديون.

المبحث الثاني: الضرر الناتج عن فوات الربح المفترض في المماطلة في الديون.

تمهيد:

المماطلة في الديون تعود بالضرر على أهل الحقوق من جهة تأخر ديونهم، ومنعهم من الانتفاع بها تلك المدة وعدم تمكنهم من التصرف فيها، وهذا التأخر في سداد الديون هو في نفسه ضرر، وقد يترتب عليه ضرر آخر من جهة فوات أرباح متوقعة أو متيقنة، وقد يكون الضرر فعليًا كأن يحمله هذا التأخر والمماطلة إلى تكبد الخسائر المادية لأجل استخلاص حقه والظفر به أو ببعضه فضلًا عن الضرر المعنوي الذي قد يتكبده الدائن من الحزن والابتذال بالمرافعة والمخاصمة وكثرة التردد، الأمر الذي يتنزه عن مثله أهل المروءات.

لذا فإن بحث التعويض عن الأضرار المترتبة على المماطلة في الديون ، من جهة جواز التعويض المالي عنها أو عدمه، يعد من أهم مسائل هذا البحث، وهي من المسائل المعاصرة الملحة في كثير من الجهات ذات العلاقة، وقبل الشروع في بيان هذه الأضرار، يجدر بيان معنى الضرر، وشروط التعويض المالي عنه، وتحرير محل النزاع في التعويض عن أضرار المماطلة في الديون، والكلام في ذلك ينتظم في ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: تعريف الضرر.

والضُّر في اللغة: ضد النفع، ويطلق على سوء الحال، والفقر، والشدة في البدن والمرض (1) ، ومنه قوله _تعالى_:"مَسَّنِيَ الضُّرُّ" (2) .

والضرر في الاصطلاح: يطلق على"كل أذى يَلحقُ الشخص، سواء أكان في مال متقوم محترم، أو جسم معصوم، أو عرض مصون" (3) .

المبحث الثاني: شروط التعويض المالي للضرر.

نص العلماء على قاعدة هي من القواعد الكبرى في الشريعة، وهي أن الضرر يزال، وقد يكون زوال هذا الضرر بالتعويض المالي، إلا أن التعويض أخص من الضرر، فليس كل ضرر يعوض بالمال كي يزول، وقد ذكر الفقهاء شروطًا لاستحقاق الضرر للتعويض المالي (4) ، وهي ما يلي:

الشرط الأول: أن يكون الضرر في مال.

فلا ضمان على ما ليس مالًا كالكلب والميتة والدم المسفوح. (5)

الشرط الثاني: أن يكون المال متقومًا مملوكًا للمتلف عليه.

وهذا يشمل المباح، فلا يجب الضمان بإتلاف الخمر والخنزير على المسلم؛ لسقوط تقوم الخمر والخنزير على حق المسلم (6) .

الشرط الثالث: أن يكون في إيجاب التعويض فائدة.

بمعنى إمكان الوصول إلى الحق ودفع الضرر حتى لا يكون إيجاب التعويض عبثًا؛ لعدم القدرة على الوصول إلى الحق، فلا يضمن المسلم بإتلاف مال الحربي، ولا العكس.

الشرط الرابع: أن يكون المتلف من أهل الضمان.

وذلك بأن يكون له أهلية وجوب، وأهلية الوجوب تثبت لكل إنسان بدون قيد ولا شرط (7) .

الشرط الخامس: أن يكون الضرر محقق الوقوع بصفة دائمة.

فلا يضمن بمجرد الفعل الضار دون حصول الضرر واستمراره، كمن حفر حفرةً في طريق، فسقط فيها إنسان، فلم يصب بشيء، أو قلع سنًا فنبتت أخرى مكانها (8) ، وكذا لا يضمن الضرر المحتمل وقوعه، أو ضرر تفويت الفرصة، أو الضرر المعنوي.

المبحث الثالث: تحرير محل النزاع في الأضرار المترتبة على المماطلة في الديون، وحكم التعويض عنها:

التعويض عن أضرار المماطلة في الديون، هو أهم المسائل المتعلقة بهذا البحث؛ وذلك لأنها هي الصيغة المطبقة عالميًا في معالجة الديون المتعثرة، سواء كان هذا التعثر في السداد بسبب المطل أو غيره، وقد نصت القوانين الوضعية على مشروعية التعويض المالي ضد التأخر في وفاء الديون، ونظرًا لانتشار البنوك الإسلامية وتضررها من المماطلة في الديون بشكل أوضح من البنوك الربوية، لكونها تحرم الربا في معاملاتها فقد أثيرت هذه المسألة في محيط هذه البنوك الإسلامية، وحصل فيها خلاف بين المعاصرين، وهو ما سنعرضه _بإذن الله_ في هذا الفصل .

وقبل الشروع في تفصيل الأضرار المترتبة على المماطلة في الديون، تجدر الإشارة إلى تحرير محل النزاع في المسألة، وبيان أحكام اتفق عليها الفقهاء المعاصرون بمن فيهم القائلون بجواز التعويض، وهي كما يلي:

أولًا: اتفق الفقهاء المعاصرون على أن المدين المعسر لا يجوز إلزامه بدفع تعويض مقابل تأخيره في الوفاء؛ لأن المعسر مستحق للإنظار إلى الميسرة، والإلزام بالتعويض ينافي الإنظار المأمور به شرعًا.

وقد نص على هذا القائلون بجواز التعويض المالي عن ضرر مماطلة المدين:

قال الشيخ مصطفى الزرقاء:"واستحقاق هذا التعويض على المدين مشروط بأن لا يكون له معذرة شرعية في هذا التأخير، بل يكون مليئًا مماطلًا يستحق الوصف بأنه ظالم كالغاصب" (9) .

وقال الشيخ عبد الله بن منيع:"الغرامة لا يجوز الحكم بها، إلا بثلاثة شروط هي: ثبوت المطل واللي، وثبوت القدرة على السداد، وانتفاء ضمان السداد لدى الدائن كالرهن والكفالة المليئة" (10) .

وقال الدكتور الضرير:"لا يجوز أن يطالب البنك المدين المعسر بتعويض، وعليه أن ينتظره حتى يوسر" (11) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت