ويبلغ مجموع رأس مال الشركة ( 8.500.000.000) ثمان مليارات ونصف المليار من الريالات السعودية . وقد نصت الشركة في نشرة الإصدار على أنها أودعت الأموال النقدية للمؤسسين في حساب الفوائد الربوية ومقدارها (4.250.000.000) أربع مليارات ومائتان وخمسون مليون ريال سعودي ، وهذا المبلغ يساوي نصف مجموع رأس مال الشركة ، وقد تحصل لها فوائد ربوية مقدارها (86.000.000) ست وثمانون مليون ريال سعودي . وقد وضعت الشركة مدققًا ماليًا ، ومستشارًا قانونيًا من شركات عالمية ، لكنها لم تضع مستشارًا شرعيًا .
ويظهر من هذا بجلاء أن الشركة قائمة على النظام الرأسمالي الربوي في معاملاتها المالية ، وأنها لم تلتزم بشرع الله تعالى فيها ، وعليه فإنه لا يجوز الاكتتاب فيها .
ويظن بعض الناس أن الإشكال في الفوائد الربوية فقط ، والصواب أن يقال: إن الشركة أقرضت نصف موجوداتها بالربا ، والربا أعظم ذنب في الإسلام بعد الكفر بالله وقتل النفس التي حرم الله تعالى . وتزيد الحرمة في المجاهرة والإعلان والتسجيل الرسمي في نشرة الإصدار التي يخشى أن يكون فيها معنى الاستحلال ، ولو قيل للناس إن هذه الشركة تتاجر بنصف أموالها في بيع الخمر أو المخدارت أو دور البغاء أو الأفلام الإباحية أو أشرطة الغناء أو حتى بيع الدخان ، وأنها لم تربح ريالًا واحدًا ؛ لنفر الناس منها ولم يجرؤ أحد على الفتيا بالجواز ، وهذا كله يبين تساهل الناس بجريمة الربا . قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} (البقرة 278، 279 ) .
وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال:"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه . وقال: هم سواء"أخرجه مسلم . وعن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية"أخرجه أحمد بسند صحيح. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الربا ثلاثة وسبعون بابًا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه .."أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي . والحديث صحيح بمجموع شواهده .
وكم هو محزن ما يحصل للناس من اضطراب الرأي والاختلاف عند كل اكتتاب ، أو يقال: ناصحناهم في ترك الربا وإنهم وعدونا ، أو يقال: إن أموال المساهمين لا صلة لها بالقروض الربوية ، وغير ذلك مما يعين على بقاء الربا في الشركات بطريقة غير مقصوده .
والذي أعتقده أن أهم أسباب هذا الاضطراب ، وأهم أسباب بقاء الربا في الشركات القائمة ووجوده في الشركات القادمة هو الفتيا بالجواز ، فهي أكبر مسوق تجاري لهم ، ولو لم يفتَ بالجواز لما أقدم الناس عليها ، ولخضعت الشركات لمطالب العلماء ، ثم إن الجميع يعلم أن الأمور المالية في الشركات ـ مع سيطرت النظام الرأسمالي الربوي ـ تصعب سلامته بدون اللجنة الشرعية . وعليه فيكون شرط الفتيا بالجواز وجود اللجنة الشرعية المستقلة من حين التأسيس كالمستشار المالي والقانوني .
ونظر المفتي للمآل في فتواه سياسةٌ شرعية معتبرة حتى لو كان له اجتهاد آخر في أعيان المسائل . ملتمسًا من إخوتي وأحبتي من طلبة العلم وأهله النظر والتأمل في هذا المطلب الملح في إصلاح الوضع المالي في الشركات المحلية . وقد فصلت هذا الأمر في بحثين سابقين في حكم الاكتتاب في شركة ينساب . وبالله التوفيق .
قاله وكتبه: د. يوسف بن عبدالله الأحمد
أستاذ الفقه المساعد بجامعة الإمام بالرياض .
ص ب 156616 الرياض 11778
هاتف وناسوخ 4307275/01
27/6/ 1427هـ
يحيى بن موسى الزهراني
الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ولي الصالحين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله الأمين ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الغر المحجلين ، وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين . . . أما بعد:
فالله جل وعلا خلق العباد لعبادته سبحانه وحده لا شريك ، وأرسل لهم الرسل ، وأنزل لهم الكتب ، وحد لهم حدودًا لا يجوز لهم تعديها ، وخط لهم خطوطًا يحرم عليهم تجاوزها ، ونحن أمة الإسلام أرسل إلينا محمدًا عبدًا ورسولًا ، شفيقًا عطوفًا ، رءوفًا رحيمًا ، وأنزل إلينا أفضل كتبه ، وأعظم كلماته ، القرآن الكريم ، فيه تبيانًا لكل شيء ، فالحلال ما أحله الله ورسوله ، والحرام ما حرمه الله ورسوله .
قال ابن القيم في مدارج السالكين:"أما الزهد في الشبهة: فهو ترك ما يشتبه على العبد: هل هو حلال أو حرام ؟ كما في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما ، يقول: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ:"الحَلالُ بَيِّنٌ، وَالحَرامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهما مُشَبَّهاتٌ لا يَعْلَمُها كثيرٌ منَ الناسِ. فمنِ اتَّقى المُشَبَّهاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينهِ وعِرْضِه، ومَنْ وَقَعَ في الشُّبُهاتِ: كراعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يُواقِعَه. ألا وإِنَّ لِكلِّ مَلكٍ حِمى، ألا إِنَّ حِمَى اللهِ فِي أرضِهِ مَحارِمُه. ألا وإِنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسدُ كلُّه، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجسَدُ كله، أَلا وهِيَ الْقَلْبُ" [ متفق عليه ] ."
فالشبهات برزخ بين الحلال والحرام ، وقد جعل الله عز وجل بين كل متباينين برزخًا ، كما جعل الموت وما بعده برزخًا بين الدنيا والآخرة ، وجعل المعاصي برزخًا بين الإيمان والكفر ، وجعل الأعراف برزخًا بين الجنة والنار ، وكذلك جعل بين كل مشعرين من مشاعر المناسك برزخًا ـ حاجزًا ـ بينهما ، ليس من هذا ولا هذا ، فمحسر برزخ بين منى ومزدلفة ، ليس من واحد منهما ، فلا يبيت به الحاج ليلة جمع ، ولا ليالي منى ، وبطن عرنة برزخ بين عرفة وبين الحرم ، فليس من الحرم ، ولا من عرفة ، وكذلك ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس برزخ بين الليل والنهار ، ليس من الليل لتصرمه بطلوع الفجر ، ولا من النهار لأنه من طلوع الشمس ، وإن دخل في اسم اليوم شرعًا.
وكذلك منازل السير: بين كل منزلتين برزخ يعرفه السائر في تلك المنازل ، وكثير من الأحوال والواردات تكون برازخ ، فيظنها صاحبها غاية ، وهذا لم يتخلص منه إلا فقهاء الطريق ، والعلماء هم الأدلة فيها"انتهى ."
واليوم ولكثرة وسائل الدعوة إلى الله ، أصبحت لا ترى إلا قليلًا من الناس ممن يجهل أهم الحوادث ، وبعض أحكام النوازل ، فإذا ما نزلت نازلة ، بحث الناس عن حكمها بسؤال أهل العلم عنها ، ألا وإن أعظم النوازل اليوم [ مساهمات البنوك ] ، بيع الأسهم وشراؤها وتداولها ، والتي كثر الجدل حولها وعنها .
فقد كثر السؤال عنها ، حتى إن كثيرًا من الناس لا يسأل عنها إلا من يرخص في جواز التعامل والاكتتاب فيها ، وأما من عُرف عنه من أهل العلم تغليب جانب الحرام على جانب الإباحة ، فهذا لا يسأله الناس إلا إذا كانت لهم حقوقًا عند الآخرين ، أما إذا كانت لهم المصلحة عند الآخرين فلا يسألون عن الحكم ، وهذا أمر معلوم اليوم .