فهرس الكتاب

الصفحة 700 من 1226

مع أن هذا قد انتشر والعياذ بالله، وهناك نوع آخر من المسخ، وهو نوع اخطر من المسخ الظاهر، هو مسخ الباطن، والعياذ بالله وهو أن يصير الإنسان عبدًا لغير الله، أن يعبد الإنسان الطاغوت، كما قال عز وجل: )قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ) المائدة:60]، عبد الطاغوت شر الأنواع الثلاثة، لأنه بدء بالقردة ثم ثنى بالخنازير ثم ثلث بعبدة الطاغوت فالقرد خير من الخنزير فالقرد أشبه بالإنسان والقرد يغار على أنثاه، يقول عمرو بن ميمون أحد ثقات التابعين: في الجاهلية رأيت قردًا شابًا وقردة شابة، والقردة الشابة معها قرد عجوز، فأشار القرد الشاب للقردة وكانت واضعة يدها تحت رأس العجوز، فنيمته، وسلت يدها من تحت رأسه، وذهبت مع القرد الشاب، قال: فوقع عليها (زنا بها) ، وأنا أنظر، ثم رجعت فوضعت يدها تحت رأس القرد العجوز (زوجها) فانتبه فشمها فصاح، فاجتمعت القرود فأتى بالقردين الزانيين فرجمتهم القرود حتى ماتا"، فالقرد يغار والخنزير لا يغار على أنثاه، القرد يجوز بيعه إذا كان منه منفعة لحفظ المتاع مثلًا، والخنزير لا يجوز بيعه بحال، والقرد طاهر العين في الحياة، والخنزير نجس دائمًا."

والأسوأ من هذين عبد الطاغوت، وهم كثيرون جدًا، لكن شكلهم بشر يرتدون الحلل، وتعظمهم الناس، ولكنهم عبيد الشيطان وجنده من الكفار المشركين واليهود والنصارى وعبيد المنافقين، ينفذون كل مخططاتهم في الكفر والضلال، ويقولون: هي أوامر علينا، والذي يعرف أن هذا كفر وضلال وحرب للإسلام ومع ذلك ينفذه فهو عبد الطاغوت، عبد الشيطان، هؤلاء شر الثلاثة، مسخت قلوبهم وبواطنهم، فهذا الذي ذكر الله من مسخهم، ثم ماتوا بعد ذلك.

قال عز وجل: ( قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ) أي أذلاء.

وفي الحديث الصحيح:"أن الله لم يجعل لمسخ نسلًا"، بعد أن مسخوا ماتوا ولم يتناسلوا، فيقال لليهود: أنهم إخوان القردة والخنازير، وليسوا أبناء القردة والخنازير لأنهم ليسوا أبنائهم لكنهم أشباههم وإخوانهم في صفاتهم وأفعالهم.

فهذه بعض فوائد هذه القصة العظيمة نسأل الله تعالى أن ينفعنا بما فيها من موعظة، وأن يوفقنا للعمل بطاعته والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن ينجينا عن مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.

(1) المنع من التورق مذهب عمر بن عبد العزيز ومالك ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وذكر أنه مذهب ابن عباس.

(2) راجع كتاب الأمر بالمعروف للمؤلف

إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدهُ ورسوله. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) ) (النساء:1) . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) ) (الأحزاب:70-71) .

أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ ص وشرُّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكل محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار .

أما بعدُ أيها المسلمون:

فقد عاشت الأمةُ قرونًا طويلَة من الغفلةِ والضياع, والنومِ والسُباتِ العميق, حتى إذا ما أفاقت من غفلتِها وصحتْ من رقدتِها, إذا بها تجدُ نفسَها ممزقة العقائد, مبعثرةَ الأجزاء, منهكة القوى, ممَّا حدا ببعضِ المخلصين إلى محاولةِِ صُنعِ شيءٍ ما, يُُخلِّص أمتَهم من محنتِها, وينتشلُها من تخلفِها وتبعيتِها, فإذا بآمالهمِ وأحلامِهم تصدُم بعقبةٍ كؤود من قلةِِ الإمكاناتِ وشحِّ الموارد، وضُعف التمويل, إنَّ لديهم آمالًا في بناءِ المساجد, وإنشاءِ المدارسِ والمعاهد، لكنَّ المالَ شحيحٌ في أيديهم, إنَّ لديهم آمالًا في طباعةِ الكتبِ وكفالةِ الدعاة، لكنَّ المالَ شحيحٌ في أيديهم. إنَّ لديهم آمالًا في رعايةِ الأيتامِ والأرامل، وتعاهدِ الفقراءِ والمحتاجين، لكنَّّ المالَ شحيحٌ في أيديهم, إنَّ لديهم آمالًا في إطعامِ الجوعى, و إ رواءِ العطشِ وسترِ العُراة، لكنَّ المال شحيح في أيديهم. فما الحلُ يا ترى ؟! هل يكونُ الحلُ باستجداءِ أربابِ الأموال طلبًا لإحسانِهم وصدقاتهم؟ أم يكونُ الحلُ باستعطافِ السحابِ أن يُمطرَ ذهبًا وفضة ؟!أم يكون الحلُ برفع الرايةِ البيضاء, وإعلانِ الهزيمة والتراجع أمام ضغطِ الواقعِ ومرارتهِ ؟!أم يكونُ الحلُ فيما أرشدَ إليه النبيُ r بقوله (( لأن يغدوَ أحدُكم فيحطُب على ظهرهِ خيرٌ له من أن يسألَ رجلًا أعطاهُ أو منعه ذلك, فإنَّ اليدَ العُليا أفضلُ من اليدِ السفلى, وابدأْ بمنْ تعول ) ) [1] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت