فهرس الكتاب

الصفحة 309 من 1226

إن الصدقة والدين عطاء وسماحة، وطهارة وزكاة للمال والنفس، وتعاون وتكافل. والربا شح وقذارة ودنس وجشع وأثرة وأنانية، الصدقة والزكاة إعطاء المال للغير بدون عوض ولا رد من البشر، ولكن الأجر مدخر عند الله جل جلاله متى صلحت النية وكان صوابًا وتقبله رب العزة والجلال، أما الربا فهو استرداد للدين ومعه زيادة حرام متقطعة من جهد المدين أو من لحمه من جهده إن كان قد عمل بالمال الذي استدانه فربح نتيجة لكدّه وعمله، ومن لحمه إن لم يربح أو خسر، أو كان قد أخذ المال للنفقة على نفسه وأهله.

فلا عجب إذًا أن يعده الإسلام أعظم المنكرات والجرائم الاجتماعية والدينية، وأن يعلن الحرب على المرابين: فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279] . وذلك للأضرار الفادحة والمساوئ التي تترتب عليه من النواحي النفسية والاجتماعية والاقتصادية، حيث يولد في الإنسان حب الأثرة والأنانية فلا يعرف إلا نفسه ولا يعرف إلا مصلحته ونفعه وبذلك تنعدم فيه روح التضحية والإيثار ومعاني حب الخير، ويغدو المرابي وحشًا مفترسًا لا يهمه من الحياة إلا جمع المال، وامتصاص دماء الناس، واستلاب ما في أيديهم.

ويولّد الربا العداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع ويقضي على كل مظاهر الشفقة والبر والإحسان، ويزرع في القلب الحسد والبغضاء، ويدمر قواعد المحبة والإخاء، ويقسم الناس إلى طبقتين، طبقة مترفة: تعيش على النعيم والرفاهية والتمتع بعرق جبين الآخرين. وطبقة معدمة: تعيش على الفاقة والحاجة والبؤس والحرمان وبذلك ينشأ الصراع بين الطبقتين.

إن المعاملات الربوية لها صور متعددة, وهي تتفاوت في الإثم فأدناها مساعدة المرابي بوضع المال عنده ليحفظه، وأعلاها ما يسمى بالفوائد وهو عين الربا، وما نذكره هنا هو صورة من صور متعددة.

إن بعض المسلمين إذا لم يذكر له الحكم صريحًا في الربا لا يفهمه تلويحًا وتعريضًا، فتكثر الأسئلة عن حكم أخذ ما يسمى بالفوائد من المصارف أو ما يسمى بالبنوك؟ وعن وضع المال عندهم أمانة؟ وعن عمل الموظف لديهم؟

لذا فإن تسمية الربا بالفوائد هو من باب التدليس والتلبيس على الناس، فذلك هو عين الربا الصريح المحرم في القرآن والسنة، ومن تعامل بهذه المعاملة سواء كان آخذًا أو معطيًا أو كاتبًا أو شاهدًا فهو من المرابين الملعونين على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن المحاربين لله ورسوله، ولا يخرج منه الموظف الذي يعمل في المصارف لأنه كاتب للربا وشاهد عليه ومعين ومساعد على انتشاره في المجتمع، وأبواب الرزق الحلال مفتوحة، ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ) ). فذلك عام سواء كان على مستوى الفرد أو الشركات التي تتعامل بالربا المكونة من مئات الأفراد، هذا بالنسبة للأخذ والعطاء في حال القرض أو الأقراض زيادة على رأس المال.

أما الذين يودعون أموالهم عند المرابين فهو يعاونونهم على أكل الربا وعلى الإثم والعدوان ويمدّونهم بالمال لكي ينتشر الحرام في المجتمع، فلا عذر لأحد في هذا البلد أن يضع ماله لدى المصارف الربوية، والمصارف البعيدة عن التعامل بالربا موجودة أيضًا، فعلى كل مسلم أن يتقي الله ويخاف من العذاب الأليم في الدنيا والآخرة ولا يتعامل بالربا ولا يساعد عليه، وعليه أن ينصح من كان واقعًا فيه وعليه أن يسحب أمواله ولا عذر له في ذلك في هذا البلد ولا يغتر بكثرة الهالكين والواقعين في ذلك، فإنهم ليسوا قدوة صالحة في فعلهم ذلك كما قال تعالى: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:3] . أما إن كان في بلد غير آمن فإن وضع المال لدى المرابين يكون من باب الضرورة فقط والخوف على ضياعه، ومتى وجد طريقًا غير ذلك فإنه لا عذر له في الإيداع لديهم لأنه بذلك يدعمهم بالمال ويعينهم على الربا وأكل أموال الناس بالباطل. فاتقوا الله عباد الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين.

موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 2217)

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

الرياض

جامع الإمام تركي بن عبد الله

الخطبة الأولى

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.

عباد الله، إن الله جل وعلا حكيم عليم فيما أمر به، وفيما نهى عنه، وعلى المؤمن حقًا أن يعتقد تحريم ما حرمه الله، ويؤمن بذلك، فكل أمر حرمه الله في كتابه، أو حرمه رسوله في سنته، فالمؤمن حقًا يؤمن بهذا، يحلّ ما أحل الله، ويحرِّم ما حرم الله، ويعتقد أن الدين ما شرعه الله ورسوله.

سأل رجل النبي قائلًا: يا رسول الله، أرأيت إن حرَّمتُ الحرام، وحللت الحلال، أدخل الجنة؟ قال: (( نعم ) ) (1) [1] .

وقد ذم الله من لم يلتزم بتحريم ما حرم الله، قال تعالى: قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29] ، فاسمع قوله تعالى: وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ، فالمؤمن يحرم ما حرم الله ورسوله، ويعتقد ذلك إيمانًا.

أيها المسلم، إن ما حرم الله من المحرمات فليس تحريمه خاصًا بزمن معين، وإنما هذا التحريم باقٍ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين.

فلا يمكن أن تتحوَّل المحرمات إلى طاعات وعبادات، المحرمات محرمات، كما حُرِّمت بالأمس فهي حرام إلى قيام الساعة.

حرم الله نكاح الأمهات والبنات والأخوات وبنات الأخ وبنات الأخت والعمات والخالات وأمهات النساء وزوجات الآباء والأبناء، أيُمكن للمسلم أن يقول: قد يأتي زمان يباح للمسلم أن ينكح أمه أو بنته أو أخته؟! حاشا لله، فالمحرمات محرماتٌ إلى الأبد، ولا يمكن أن يأتي زمن يتحول الحرام فيه حلالًا، ذاك مخالف لشرع الله، فلن يصلح آخر الأمة إلا ما أصلح أولها.

أيها المسلم، فاعتقد تحريم ما حرم الله اعتقادًا جازمًا؛ لتكون من المؤمنين بالله وبكتابه وبرسوله.

أيها المسلمون، إن من تلكم المحرمات المعاملات الربوية، فالمعاملات الربوية حرمها الله في كتابه، وحرمها رسوله ، وتحريمها معلوم من دين الإسلام بالضرورة، فالمؤمن يعتقد أن الربا حرام، أن التعامل بالربا حرام، يعتقده إيمانًا جازمًا، ويبتعد عنه طاعة لله ورسوله، فإن البعد عنه عنوان الإيمان، ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرّبَوااْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ [البقرة:278] ، فالإيمان الصحيح يحول بين المرء المسلم وبين المعاملات الربوية، الإيمان الصحيح يحول بين المرء المسلم وبين التعامل بالربا؛ لأن الربا محرم في شرع الله، بل حُرمته في الشرائع السابقة، فلم تأت شريعة بحل الربا، ولذا ذم الله اليهود بقوله: وَأَخْذِهِمُ الرّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ [النساء:161] .

أيها المسلم، إن الله حرم الربا في كتابه العزيز، وحرمه رسوله محمد ، فمن اعتقد حله وقد سمع الآيات والأحاديث، من اعتقد حله فإنه مفارق للإسلام، وخارج من ملة الإسلام؛ لكونه مكذبًا لله ورسوله، رادًا على الله ورسوله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت