فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 1226

ولم يكتف الرسول بهذا البناء الاقتصادي القائم على التكافل، بل عمل على بناء الإنسان جسدا كما بناه عقلا وروحا وفكرا.. ولهذا أمر بالرياضة ولا سيما الرمي، وحث على القوة، وفضل المؤمن القوي على المؤمن الضعيف، ووجه إلى علمى الوقاية والعلاج، وعلم المسلمين أن لكل داء دواء إلا الهرم، فعليهم أن يعملوا على الحفاظ على صحتهم والعلاج إذا مرضوا.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث رواه البخاري وابن ماجة رحمهما الله:"ما أنزل الله داء إلا أنزل به شفاء"، ومعنى هذا التوجيه أنه ليس هناك من مرض إلا ود خلق الله تعالى له دواء وشفاء، وليس هناك أي قول آخر يشجع على تحصيل العلم في ميدان الطب مثل هذا القول الوجيز الجامع والشامل، فقوله هذا _ عليه الصلاة والسلام _ يعني أنه ما من داء إلا وله دواء، أي يمكن العثور على أدوية لكل الأمراض الموجودة إلا الشيخوخة وذلك بعد توفيق الله وعنايته.

وفي رواية أخرى:"لكل داء دواء"، وفي حديث آخر:"تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهرم".

ورسول الله بهذه الأحاديث وبأحاديث أخرى مشابهة يدعو أهل العلم جميعا، وجميع من آتاهم الله موهبة وفضلا، وجميع الباحثين إلى تكثيف جهودهم وبذل مساعيهم لاكتشاف الأدوية ووسائل العلاج.

وهناك أحاديث أخرى مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في علم الصحة،ولا سيما فيما يتعلق بـ"الطب الوقائي"الذي يشكل جزءا مهما من علم الطب، وهذا شيء طبيعي، ذلك لأن علاج المرض ليس هو المهم، بل الأهم منه هو حفظ صحة الإنسان، وحمايته من المرض.

فبينما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقوم بإصلاح أمراض القلوب والنفوس، كان يقوم أيضا بحماية المؤمنين من الأمراض الجسدية، أي أنه كان يقوم بحفظ أتباعه وصيانتهم من الأمراض النفسية والقلبية والجسدية كلها، وذلك انطلاقا من أن الإنسان كائن مركب، وأنه إذا فسد منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، وانطلاقا من أن العقل السليم والروح السليمة يحتاجان لجسد سليم، فالإنسان كل لا يتجزأ.

الحمد لله الذي أحل البيع وحرم الربا ، والصلاة والسلام على النبي القائل ( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ) و ( من عصاني فقد أبى ) وبعد: فقد ألقيت مجموعة محاضرات في دورة عن أحكام البيوع والمعاملات المالية المعاصرة ، نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مشكورة ، وحضرها مجموعة من طلبة العلم ، تخرج منهم خمسون طالبا ، ووزعت الجمعية التعاونية جزى الله القائمين عليها كل خير ، جوائز على المتفوقين فيها ، وقد ألحوا علي أن أراجعها وأطبعها وأنشرها ليعم النفع ، فتعذرت بكثرة الأشغال ، فما زادهم ذلك إلا إلحاحا وإصرارا ، فاستجبت لهم ، وراجعتها ، وأعددتها للطباعة ، وها هي تنشر على شبكة ( الإنترنت ) أولا ، ريثما تنتهي من المطبعة بتوفيق الله تعالى . وقد تضمنت المحاضرات: أولا: مقدمة عن خصائص الاقتصاد الإسلامي . ثانيا: أسباب تحريم البيوع في الشريعة . ثالثا: شروط البيع . رابعا: الشروط في البيع . خامسا: الخيار . سادسا: الربا . سابعا: الشركات . ثامنا: البنوك الإسلامية . تاسعا: أحكام بعض العقود والبيوع المعاصرة . كل ذلك بأسلوب سهل ميسر ، مقرب إلى الفهم ، ولهذا أسميت هذه الرسالة الصغيرة ، تيسير بعض أحكام البيوع والمعاملات المالية المعاصرة ، والله تعالى أسأل أن يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم ، لينفعني يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم آمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . حامد بن عبد الله العلي ،السادس من ربيع الأول 1423هـ أهم خصائص الاقتصاد الإسلامي أولًا - الانطلاق من العقيدة: وهذه أهم خصائص الاقتصاد الإسلامي ، ولو نزعت منه هذه الخاصية لم ينجح ، وننوه هنا إلى أن الإيمان هو الاسم الوارد في الكتاب و السنة ، بدل كلمة العقيدة ، وذلك لدلالته على الهدف الأسمى من الإيمان وهو الأمن ، فلفظ الإيمان يطوي تحته هذا المعنى العظيم ، كما قال تعالى: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } ، ولهذا فاستعمال هذا اللفظ بدل العقيدة ، أولى وأفضل ، فالإيمان كلمة خفيفة على النفس وحروفها سهلة ، وتشعر النفس بانجذاب نحوها ، كما أنها تدل أيضا على الانقياد ، بمعنى أن الله تعالى يريد بالإيمان التصديق الذي يتبعه انقياد ، وكلمة الإيمان تدل على هذا المعنى ، ذلك أن معناها ليس التصديق ، وإنما تصديق مع انقياد . ومما يدل على ارتباط الاقتصاد بالإيمان: قوله تعالى: { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون } . ففي هذه الآية الكريمة ، بيان أن الإيمان والتقوى أهم أسباب الازدهار في الاقتصاد الإسلامي ، وهما سبب للبركات والرفاه ، كما يقول الاقتصاديون ، أن هدف الاقتصاد هو تحقيق مجتمع الرفاهية . فالله تعالى يقول في هذه الآية ، إذا أردتم اقتصادا سليما ، يحقق الرفاهية ، فعليكم بتقوى الله عز وجل والإيمان .

*** كما يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لا يزيد في العمر إلا البر ولا يرد القدر إلا الدعاء وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) [رواه ابن ماجه] ، وفي هذا تأكيد للعلاقة بين الإيمان والاقتصاد الإسلامي .

*** ومن الأمثلة على ذلك أيضا ، أعني تأثير تقوى الله تعالى في الاقتصاد ، قوله صلى الله عليه وسلم: ( من باع دارا ، ثم لم يجعل ثمنها في مثلها ، لم يبارَك له فيها ) [رواه الضياء المقدسي والطيالسي والبيهقي عن حذيفة رضي الله عنه ] . فهذا ـ كما هو واضح ـ لا علاقة له بالأمور المادية ، ولكن علاقته بالأمور الإيمانية ، ومن أمثلة ذلك ما نسمعه عن الذين دخلوا البورصة بأثمان بيعهم لبيوتهم ، ثم خسروا وانكسروا ، فهذا البعد ، بعد إيماني غيبي لم ينبه عليه إلا في الاقتصاد الإسلامي ، ولا يعترف به الاقتصاد الملحد الذي لا يبني الاقتصاد على الإيمان بالله تعالى ، الممحوق البركة ، الذي ملأ العالم جشعًا وفسادا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت