فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 1226

إن المعسر في الإسلام لا يطارد من صاحب الدين أو من القانون والمحاكم، إنما ينظر حتى يوسر، ثم إن المجتمع المسلم لا يترك هذا المعسر وعليه دين، فالله يدعو صاحب الدين أن يتصدق بدينه إن تطوع بهذا الخير، وهو خير لنفسه كما هو خير للمدين، وهو خير للجماعة كلها ولحياتها المتكالفة ولو كان يعلم ما يعلمه الله من سريرة هذا الأمر.

وقد كثرت الأحاديث في الترغيب في إنظار المعسر والتجاوز عنه، ومنها: قوله: (( من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظلّه ) ).

وعن حذيفة قال: قال رسول الله: (( أتى الله بعبد من عبيده يوم القيامة قال: ماذا عملت لي في الدنيا؟ فقال: ما عملت لك يا رب مثقال ذرة في الدنيا أرجوك بها - قالها ثلاث مرات - ثم قال عند آخرها: يا رب إنك كنت أعطيتني فضل مال، وكنت رجلا أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز، فكنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر. فقال الله عز وجل: أنا أحق من ييسر، أدخل الجنة ) ).

ثم يجئ التعقيب العميق الإيحاء الذي ترجف منه النفس المؤمنة وتتمنى لو تنزل عن الدين كله ثم تمضى ناجية من الله يوم الحساب: واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله فأنجع شيء لمرض القلوب تذكر يوم الدين وهو يوم عسير، له في قلب المؤمن وقع شديد، واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون .

كان هذا التحذير من ربا النسيئة: وهو الزيادة في الثمن من أجل الزيادة في الأجل.

ومن باب سد الذرائع حرّم الإسلام نوعا آخر من الربا وهو ربا الفضل.

وربا الفضل معناه: بيع جنس بجنسه متفاضلًا.

وهو محصور في أصناف ستة، بيّنها قوله: (( الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيدا ) ).

فهذه الأصناف الستة لا يجوز بيع الجنس منها بجنسه متفاضلا: فلا يجوز بيع مائة جرام ذهبا قديما بتسعين جراما ذهبا جديدا، وكذلك الفضة.

ولا يجوز بيع كيلتين من قمح رديء بكيلة من قمح جيد، وهكذا بقية الأصناف.

ولا يجوز التأخير في القبض وإن كان هناك تماثل، بل لابد من التقابض في المجلس.

فإن اختلفت الأجناس والعلة جاز البيع والشراء متفاضلا وجاز التأخير، كأن تشتري قمحا بنقد، أو ملحا بنقد.

وإن اختلفت الأجناس واتحدت العلة جاز التفاضل دون التأخير: فيجوز أن تشتري عشرين جراما ذهبا بمائة فضة مثلا. أو تشتري كيلتين قمحا بأربع شعيرا، أو تشتري مائة ريال سعوديا بتسعين جنيها مصريا، فهذا التفاضل جائز شريطة التقابض في المجلس. فلا يجوز أن تشتري مائة ريال بتسعين جنيها وتبقى لك أو عليك بقية.

وكذلك لا يجوز أن تشتري ذهبا بنسيئة، ولا أن تدفع بعض القيمة ويبقى عليك بعضها، بل لابد من دفع القيمة كلها نقدا قبل مغادرة المجلس. ومن الخطأ الذي يقع فيه كثير من الناس عند استبدال الذهب القديم بجديد أنهم يبيعون القديم ولا يقبضون ثمنه، ثم يشترون الجديد ويدفعون الفرق، وهذا داخل في ربا الفضل، والصحيح أن تبيع ما معك وتقبض ثمنه، ثم تشتري الجديد وتدفع ثمنه.

فاعتبروا يا أولي الأبصار وخذوا حذركم، وتفقهوا في دينكم، فإنه (( من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدين ) ). ... ... ...

موسوعة الدين النصيحة 1-5 - (ج 1 / ص 222)

فأقول بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة والسلام على رسوله إن من ترك صلاة مكتوبة واحدة حتى يخرج وقتها وهو قادر على أدائها كفر كفرًا مُخرجًا عن الملة الإسلامية في أرجح قولي العلماء، وأجمعت الأمة على قتله إلاَّ قليلًا منهم إذا جيء به إلى الحاكم أو من ينوب عنه وذُكِّرَ بخطورة ترك الصلاة فأبى عن أداء صلاة واحدة حتى خرج وقتها.

ممن روي عنه كفر تارك الصلاة كسلًا من الصحابة: علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وابن عباس، وجابر، وأبي الدرداء رضي الله عنهم، وقال عمر:"لا حظَّ في الإسلام لمن ضيع الصلاة"، وقال عبد الله بن شقيق وهو من كبارالتابعين:"لم يجمع الصحابة على أن ترك شيء من الأعمال كفر سوى الصلاة".

وممن قال يكفر تارك الصلاة كسلًامن التابعين ومن بعدهم إبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة، وأيوب السختياني، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، واستدل هؤلاء من القرآن بالآتي:"أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غِيًَّا"،"وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين"،"إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة".

قيل لإبن مسعود رضي الله عنه إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن"الذين هم على صلاتهم دائمون"،"والذين هم على صلاتهم يحافظون"،"فويلٌ للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون"، فقال عبد الله: على مواقيتها. فقال له قائل: ما كنا نرى إلاَّ أن نترك. فقال عبد الله: تركها كفر.

ومن الأحاديث الصحيحة الصريحة بالآتي:

1."بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة"وفي رواية"وبين الشرك ترك الصلاة".

2."العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر".

3."نهيت عن قتل المصلين".

4."من ترك صلاة العصر متعمدًا فقد حبط عمله".

5."ما منعك أن تصلي مع الناس الست برجل مسلم".

قال ابن عبد البر معلقًا وشارحًا للحديث السابق: (وفي هذا والله اعلم أن من لا يصلي ليس بمسلم وإن كان موحدًا) .

ولهذا فإن حكم تارك الصلاة في الدنيا:

1.لا يزوج بمسلمة وإن كان متزوجًا بمسلمة فرِّق بينهما.

2.لايسلم عليه، ولايزار، ولايعاد، ولايؤاكل، ولايسكن معه، ولاتجاب دعوته زجرًا له ولأمثاله.

3.ليس له ولاية على بناته وحريمه.

4.إن كان يصلي ثم تركها حبطت أعماله السابقة كلها من صلاة، وزكاة، وحج، فإذا عاود الصلاة عليه حجة الإسلام، وإخراج الزكاة.

5.مهدر الدم، والمال، والعرض.

6.لا يغسل إذا مات، ولا يكفن، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرثه أهله في أرجح قولي أهل العلم.

أما في الآخرة: فمصيره إلى سواء الجحيم:"قالوا لم نَكُ من المصلين"، هل يعلم تارك الصلاة أن أسوته من الخلق إبليس وخلفائه من كل خبيث:"وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاَّ إبليس".

قال إسحاق بن راهويه: (فمن لم يجعل تارك الصلاة كافرًا، فقد ناقض، وخالف أصل قوله وقول غيره، قال: ولقد كفر إبليس إذ لم يسجد السجدة التي أُمِرَ بسجودها، قال: وكذلك تارك الصلاة عمدًا حتى يخرج وقتها كافر إذا أبى قضاءها) .

وهل يعلم أن الله غني عن صلاته وصلاة غيره:"يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلاَّ نفسه".

وهل يعلم تارك الصلاة أن نزلاءه ورفقاءه في سقر هامان، وقارون، وفرعون، وأبَيُّ بن خلف، وغيرهم من أئمة الكفر والضلال؟

قال أحمد بن حنبل: لا يكفر أحد بذنب إلاَّ تارك الصلاة عمدًا.

وقال إسحاق بن راهويه: وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى زماننا هذا أن تارك الصلاة عمدًا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر إذا أبى من قضائها، وقال: لا أصليها. قال إسحاق: وذهاب الوقت أن يؤخر الظهر إلى غروب الشمس، والمغرب إلى طلوع الفجر.

ألا يعلم تارك الصلاة أن الموت آت وكل آت قريب وأنه قد يموت الآن؟ أما آن لتارك الصلاة أن يُحاسِب نفسه قبل أن يُحاسَب، وأن يتوب إلى الله قبل أن يحال بينه وبين ذلك؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت