فهرس الكتاب

الصفحة 448 من 1226

الباب الخامس

فتاوى وبحوث معاصرة حول الربا وأحكامه

جمع وإعداد

الباحث في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

مجلة البحوث الإسلامية - (ج 42 / ص 39)

باب البيع

قوله عز وجل: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } (1) عموم في إباحة سائر البياعات لأن لفظ البيع موضوع لمعنى معقول في اللغة وهو تمليك المال بمال بإيجاب وقبول عن تراض منهما ، وهذا هو حقيقية البيع في مفهوم اللسان . ثم منه جائز ومنه فاسد إلا أن ذلك غير مانع من اعتبار عموم اللفظ متى اختلفنا في جواز بيع أو فساده ، ولا خلاف بين أهل العلم أن هذه الآية وإن كان مخرجها مخرج العموم فقد أريد الخصوص ؛ لأنهم متفقون على حظر كثير من البياعات نحو بيع ما لم يقبض وبيع ما ليس عند الإنسان وبيع الغرر والمجاهيل وعقد البيع على المحرمات من الأشياء ، وقد كان لفظ الآية يوجب جواز هذه البياعات ، وإنما خصت منها بدلائل إلا أن تخصيصها غير مانع اعتبار عموم لفظ الآية فيما لم تقم الدلالة على تخصيصه ، وجائز أن يستدل بعمومه على جواز البيع الموقوف ؛ لقوله تعالى: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } (2) والبيع اسم للإيجاب والقبول ، وليست حقيقته وقوع الملك به للعاقد ألا ترى أن البيع المعقود على شرط خيار المتبايعين لم يوجب ملكا وهو بيع والوكيلان يتعاقدان البيع ولا يملكان

وقوله تعالى: { وَحَرَّمَ الرِّبَا } (3) حكمه ما قدمناه من الإجمال والوقف على ورود البيان ، فمن الربا ما هو بيع ومنه ما ليس ببيع وهو ربا أهل الجاهلية ، وهو القرض المشروط فيه الأجل وزيادة مال على المستقرض .

وفي سياق الآية ما أوجب تخصيص ما هو ربا من البياعات من عموم قوله تعالى: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } (4) وظن الشافعي أن لفظ الربا لما كان مجملا أنه

(1) سورة البقرة الآية 275

(2) سورة البقرة الآية 275

(3) سورة البقرة الآية 275

(4) سورة البقرة الآية 275

يوجب إجمال لفظ البيع ، وليس كذلك عندنا لأن ما لا يسمى ربا من البياعات فحكم العموم جار فيه ، وإنما يجب الوقوف فيما شككنا أنه ربا أو ليس بربا فأما ما تيقنا أنه ليس بربا فغير جائز الاعتراض عليه بآية تحريم الربا ، وقد بينا ذلك في أصول الفقه . وأما قوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا } (1) حكاية عن المعتقدين لإباحته من الكفار فزعموا أنه لا فرق بين الزيادة المأخوذة على وجه الربا وبين سائر الأرباح المكتسبة بضروب البياعات ، وجهلوا ما وضع الله أمر الشريعة عليه من مصالح الدين والدنيا فذمهم الله على جهلهم وأخبر عن حالهم يوم القيامة وما يحل بهم من عقابه . قوله تعالى: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } (2) يحتج به في جواز بيع ما لم يره المشتري ويحتج فيمن اشترى حنطة بحنطة بعينها متساوية أنه لا يبطل بالافتراق قبل القبض ، وذلك لأنه معلوم من ورود اللفظ لزوم أحكام البيع وحقوقه من القبض والتصرف والملك وما جرى مجرى ذلك ، فاقتضى ذلك بقاء هذه الأحكام مع ترك التقابض وهو كقوله تعالى: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ } (3) المراد تحريم الاستمتاع بهن . ويحتج أيضا لذلك بقوله تعالى: { لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } (4) من وجهين:

أحدهما: ما اقتضاه من إباحة الأكل قبل الافتراق وبعده من غير قبض .

والآخر: إباحة أكله لمشتريه قبل قبض الآخر بعد الفرقة .

وأما قوله تعالى: { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ } (5) فالمعنى فيه أن من انزجر بعد النهي فله ما سلف من المقبوض قبل نزول تحريم الربا ولم يرد ما لم يقبض لأن قد ذكر في نسق

(1) سورة البقرة الآية 275

(2) سورة البقرة الآية 275

(3) سورة النساء الآية 23

(4) سورة النساء الآية 29

(5) سورة البقرة الآية 275

التلاوة حظر ما لم يقبض منه وإبطاله بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (1) فأبطل الله من الربا ما لم يكن مقبوضا وإن كان معقودا قبل نزول التحريم ولم يتعقب بالفسخ ما كان منه مقبوضا بقوله تعالى: { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ } (2) وقد روي ذلك عن السدي وغيره من المفسرين ، وقال تعالى: { وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (3) فأبطل منه ما بقي مما لم يقبض ولم يبطل المقبوض ، ثم قال تعالى: { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ } (4) وهو تأكيد لإبطال ما لم يقبض منه وأخذ رأس المال الذي لا ربا فيه ولا زيادة ، وروي عن ابن عمر وجابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبته يوم حجة الوداع بمكة - وقال جابر بعرفات -: « إن كل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع ، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب » (5) فكان فعله صلى الله عليه وسلم مواطئا لمعنى الآية في إبطال الله تعالى من الربا ما لم يكن مقبوضا وإمضائه ما كان مقبوضا ، وفيما روي في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم ضروب من الأحكام

أحدها: أن كل ما طرأ على عقد البيع قبل القبض مما يوجب تحريمه فهو كالموجود في حال وقوعه وما طرأ بعد القبض مما يوجب تحريم ذلك العقد لم يوجب في فسخه ، وذلك نحو النصرانيين إذا تبايعا عبدا بخمر فالبيع جائز عندنا ، وإن أسلم أحدهما قبل قبض الخمر بطل العقد ، وكذلك لو اشترى رجل مسلم صيدا ثم أحرم البائع أو المشتري بطل البيع لأنه قد طرأ عليه ما يوجب تحريم العقد قبل القبض كما أبطل الله تعالى من الربا ما لم يقبض لأنه طرأ عليه ما يوجب تحريمه قبل القبض وإن كانت الخمر مقبوضة ثم أسلما أو أحرما لم يبطل البيع كما لم يبطل الله الربا المقبوض حين أنزل التحريم ، فهذا جائز في

(1) سورة البقرة الآية 278

(2) سورة البقرة الآية 275

(3) سورة البقرة الآية 278

(4) سورة البقرة الآية 279

(5) صحيح البخاري التمني (6803) ,صحيح مسلم الحج (1218) ,سنن الترمذي الحج (856) ,سنن النسائي مناسك الحج (2763) ,سنن أبو داود المناسك (1905) ,سنن ابن ماجه المناسك (3074) ,مسند أحمد بن حنبل (3/321) ,موطأ مالك الحج (836) ,سنن الدارمي المناسك (1850) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت