وهو كافيك مما يؤذيك ، ولا يكفيك شيءٌ عن الله ..
قال تعالى: { أليس الله بكافٍ عبده ؟! ويخوفونك بالذين من دونه ..} 55
واملأ قلبك برجاه ، واقطع رجاك ممن عداه ، فالأمر أمره ، والخلق خلقه ، والعبد عبده ، والقدر قدره ، ولا مانع لما أعطى ، ولا معطي لما منع ، ولا قابض لما بسط ، ولا باسط لما قبض ، ولا إله إلاَّ الله ، فلا معبود بحقٍّ سوى الله !
واعلم أن مردَّك إليه ، ومآلك الوقوف بين يديه ، فيسألك عن كلِّ كبير وصغير ، وعظيم وحقير . قال تعالى: { فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا يعملون } 56.
فأعِدَّ للسؤال جوابًا ، وللجواب صوابًا ، فإنَّ الله بكلِّ شيءٍ عليم ، وهو على كلِّ شيءٍ قدير .
وكتبه
عبد اللطيف الغامدي
حفظه الله من خزي الدنيا ومن عذاب الآخرة
جدة (21468)
ص . ب ( 34416)
مناقشة علمية هادئة للقول بجواز الاكتتاب في ينساب
الحمد لله ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد
فقد أخرجت قبل أسبوع رسالة بعنوان (ثلاث رسائل عاجلة حول الاكتتاب في شركة ينساب) .
ثم اطلعت على بعض المناقشات العلمية المكتوبة والشفوية عبر القنوات الفضائية من بعض المشايخ الفضلاء الذين أفتوا بالجواز ، وقد لحظت تضمنها بعض الأخطاء في النقل وقراءة نشرة الإصدار ، فحاولت بعدها الاتصال ببعضهم مرارًا فلم يتيسر .
ونظرًا لاستشكال كثير من الناس حولها، رأيت إخراج هذه المناقشة العلمية على ألا ينفك قارئها عن الرسائل الثلاث التي سبق نشرها في موقع نور الإسلام بتاريخ 16/11/1426هـ، وفق النقاط الآتية:
أولًا: نُسب القول بجواز الاكتتاب في الشركات المختلطة بالربا إلى فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى .
والأقرب أنه رجع عن فتواه ؛ فقد أفتى أولًا بالجواز مع النصح والتأكيد على تركها ، في فتوى بخط يده بتاريخ 21/4/1412هـ ، ثم أفتى بتحريمها في فتواه المنشورة في مجلة الدعوة بتاريخ 1/5/1412هـ والتي بين فضيلته حرمة الاكتتاب فيها ، وأن من اكتتب فيها جاهلًا فإنه يسعى في فك الاشتراك ، فإذا لم يتمكن أخرج النسبة المحرمة ، وهذا نص السؤال والجواب:
السؤال: ما الحكم الشرعي في أسهم الشركات المتداولة في الأسواق، هل تجوز المتاجرة فيها ؟
الجواب: لا أستطيع أن أجيب على هذا السؤال ؛ لأن الشركات الموجودة في الأسواق تختلف في معاملاتها بالربا، وإذا علمت أن هذه الشركة تتعامل بالربا وتوزع أرباح الربا على المشتركين ، فإنه لا يجوز أن تشترك فيها ، وإن كنت قد اشتركت ثم عرفت بعد ذلك أنها تتعامل بالربا ، فإنك تذهب إلى الإدارة وتطلب فك اشتراكك ، فإن لم تتمكن ، فإنك تبقى على الشركة ، ثم إذا قُدمت الأرباح وكان الكشف قد بين فيه موارد تلك الأرباح فإنك تأخذ الأرباح الحلال ، وتتصدق بالأرباح الحرام تخلصًا منها ، فإن كنت لا تعلم بذلك فإن الاحتياط أن تتصدق بنصف الربح تخلصًا منه ، والباقي لك ؛ لأن هذا ما في استطاعتك ، وقد قال الله تعالى:"فاتقوا الله ما استطعتم". انتهت الفتوى .
وللشيخ رحمه الله فتوى أخرى بالمنع مطلقًا، وهي غير مؤرخة ، وهذا نص السؤال والجواب:
السؤال: لقد انتشرت في زماننا هذا الشركات التجارية بأنواعها المختلفة وكثر المساهمون فيها بأموالهم بحثًا عن الربح ولكن الذي يحدث أنّ بعض المساهمين يحصل على ربح ليس من عمل تلك الشركة ولكنه من المتاجرة بسندات الأسهم التي ساهم بها فيبيع السند الذي قيمته مثلًا 100ريال يبيعه بـ200ريال أو أكثر حسب قيمة تلك السندات في ذلك الوقت، فهل هذا التعامل بهذه الطريقة صحيح أم لا ؟
الجواب: التعامل صحيح إذا كانت الشركة التي ساهم فيها خالية من الربا ، فإن بيع الإنسان نصيبه من الشركة بربح جائز ولا حرج فيه ، لكن بشرط أن يكون معلومًا لدى البائع والمشتري ، فيعرف أن له مثلًا 10 أسهم أو 15 سهمًا من كذا وكذا حتى لا يبقى الأمر مشكلًا فإذا كان معلومًا فإنه لا بأس به سواء كان ذلك في الشركات أو في مساهمات عقارية كذلك أهـ . ( فتاوى للتجار ورجال الأعمال ص 47 - 48) .
ولو وجد فتاوى غير مؤرخة أو احتمل الأمر عدم معرفة التاريخ ، فإن الأقرب لفتاوى الشيخ هو التحريم ، لما علم عنه من شدة تحرزه من أخذ الربا ، وتحريمه تأجير المحلات على صوالين الحلاقة التي تحلق اللحى ، وعلى التموينات التي تبيع الدخان ، إضافة إلى تحريمه للعمل في البنوك الربوية حارسًا أو سائقًا ، أو الإيداع فيها في الحساب الجاري ؛ لأنه من التعاون على الإثم والعدوان .
وما نحن فيه أولى بالمنع .
ثم لو فرضنا أن الأمر لا يزال مشتبهًا ، أو ثبت أن القول الأخير للشيخ هو الجواز ، فإن العبرة في معرفة الحق هو الدليل ، وليس من الصواب دفع الناس بفتوى الشيخ ابن عثيمين رحمه الله إلى الاكتتاب في شركة ينساب التي أعلنت الربا الصراح نظامًا لها في المعاملات المالية.
ثانيًا: أكد بعض المشايخ أن الشركة إنما وضعت الودائع الربوية من أموال المكتتبين المؤسسين فقط دون اكتتاب المواطنين .
وهذا غير صحيح ، فإن الشركة قد نصت على أنها ستدخل مجموع أموال المكتتبين المؤسسين ، وكذلك الاكتتاب العام في حساب الفوائد ، وقد نصت الشركة على ذلك ،
وأورد هنا نص ما جاء في نشرة الإصدار ( ص60 ) :"حقوق المساهمين:"
رأس المال المدفوع من قبل المؤسسين - بالريالات- (3.656.250.000) ورأس المال المتوقع من الاكتتاب العام (1.968.750.000) .
ثم جاء في (ص 61) ما نصه: الأرصدة لدى البنوك: وديعة لآجل (5.566.657.000) .. الوديعة لآجل ، والحساب الجاري محتفظ بهما لدى بنك محلي ، وتحقق الوديعة لأجل عمولة سنوية - أي فوائد ربوية - بنسبة 4.85%تقريبًا اهـ.
وبهذا يتضح دخول أموال الاكتتاب العام من الجمهور فيها .
ثالثًا: ذكر بعض المشايخ أن الشركة ستأخذ تمويلًا من بعض البنوك ؛ إما بقروض تجارية ، وإما بمرابحات إسلامية .
وهذا غير صحيح ، فمن تأمل نص ما جاء في نشرة الإصدار يجد أن البنك الذي وعد بالتمويل ABN AMRO يقوم الآن بالتفاوض مع المصارف الدولية والإقليمية والمحلية لتقديم قروض تجارية وإسلامية عادية للمشروع .
أي أن أنهم وعدوا بالاقتراض الربوي وغير الربوي ، وليس الأمر على سبيل التردد ، هذا أولًا .
وثانيًا: أن البنك المتعهد بالتمويل سيقدم مجموع ما تحصل له من هذه البنوك لشركة ينساب ، فهل سيكون وسيطًا بأجرة ، أو مقرضًا بفائدة فيكون القرض حينئذ كله بالربا؟! .
وهذا نص ما جاء في نشرة الإصدار: (ص29) : تمويل المشروع: حصلت سابك لصالح ينساب ، على التزام خطي مبدئي من بنك إيه.بي.إن.أمرو ABN AMRO بموجب خطاب التزام مؤرخ في 30 نوفمبر 2005 تعهد بموجبه بتغطية تسهيلات تمويلية بدون حق الرجوع على المساهم الرئيس بقيمة 13.125 مليون ريال سعودي - أي 13 مليارا ومائة وخمسا وعشرين مليون ريال سعودي -"اهـ ."
وجاء أيضًا في نفس الصفحة تحت عنوان: القروض ورأس المال العامل الابتدائي:"يقوم بنك إيه.بي.إن.أمرو حاليًا بالتفاوض مع المصارف الدولية والإقليمية والمحلية وبعض الجهات الشبه حكومية لتقديم قروض تجارية وإسلامية عادية للمشروع ..إضافة لتسهيلات القروض المذكورة أعلاه ، سيطلب قرض لتمويل رأس المال العامل الابتدائي بقيمة 833 مليون ريال سعودي، ويتم ترتيبه كجزء من القروض"اهـ .