فهرس الكتاب

الصفحة 554 من 1226

من هذه الأحاديث الصحيحة وغيرها نعلم: بأنه يحرم بيع الذهب بالذهب مع الزياد، ويجوز بيع الذهب بالفضة، ولو زاد أحدهما على الآخر، وكذلك التمر بالبر لكن بشرط التقابض في مكان البيع قبل التَّفرق.

أيُّها المسلمُون:

يحرم على المرء أن يقترض مبلغًا من المال على أن يردَّ أكثر منه، سواء كان من بنك أو غيره، فالقرض عقد إرفاقٍ وإحسان، واشتراط ردِّ زيادة عليه ربا محرم، واستغلال سيئ، وكل قرضٍ جرَّ نفعًا فهوَ رِبَا.

هذا ومن أغلظ أنواع الربا ما تفعله كثيرٌ من البنوك من القرض بفائدة، وكذلك ما تعطيه لعملائها من فوائد بنكيَّة، وهي الرِّبا بعينه، فليحذر المسلم من التورُّط في معاملاتٍ مشبوهة، وليتحرَّ لقمة الحلال، لئلا ينبت جسمُه على سحتٍ فيكون خاسرًا، دعاؤه مردود، وإثمه مضاعف، وهذا ما يفعله بعض الناس اليوم عياذا بالله، وصدق رسول الله حين قال: (( ليأتينَّ على الناسِ زمانٌ لا يبالِي المرءُ بما أُخذَ المالُ أمِن الحلالِ أم منَ الحرَام ) ). [رواه البخاري مع الفتح 4/313] .

فيَا أيُّها العُقَلاء:

لا تغرنَّكم الحياة الدنيا، ولا يحملنكم طلب المال على ارتكاب الحرام، فلا تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها.

أيُّها المسلم:

دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك، واسأل عمَّا أشكل عليك، وإياك أن تأخذ الربا، أو تشهد عليه، أو تعين على ذلك بأي وجهٍ من الوجوه، وتذكر بأن المال الحلال ليس لبركته حدٌّ ولا نهاية، أما أموال الربا والمعاملات المحرمة فهي سحتٌ ومحق، وحسرةٌ وندامةٌ، وخزيٌ يوم القيامة، وصدق الله (( يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ) ).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، وبسنة إمام المتقين، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المؤمنين والمؤمنات، من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله- صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا كثيرًا.

أمَّا بعدُ:

فإنَّ مما يُعلم بالضَّرورة أنَّ الإسلام لا يحرِّم شيئًا إلا لحِكَمٍ عظيمة، أو منافع تعود على العباد، ولهذا حرم الله الربا، لما يفضي إليه من انقطاع المعروف بين الناس، من القرض الحسن، ولما يؤدي إليه ممن أخذ أموال الناس بغير عوض، وتعطيل الطاقات البشرية، لتحلَّ البطالة محل العمل والإنتاج.

كما أن الربا يزرع الأحقاد في القلوب، وينزع منها الرحمة، وبذلك تموت الأخوَّة، ويتفكَّك المجتمع، وإلى غير ذلك من الحكم التي اختص بها العليم الحكيم.

ألا فسحقًا للمُرابي فهو مطرودٌ من رحمة الله، محاربٌ لله، مقرونٌ بين معصيته وهي الربا مع الزِّنى، لتشابههما في الآثار السيئة على المجتمع.

آكل الربا دعاؤُه مردودٌ، وباب الخير في وجهه مسدود، وسوء الخاتمة تنتظره، وفي حديث أبي هريرة t أن رسول الله قال: (( ذكرَ الرجلَ يُطيلُ السَّفرَ أشعثَ أغبَرَ، يمدُّ يديهِ إلى السَّماء: يا ربّ يا ربّ ومطعمُه حرامٌ، ومشربُه حرامٌ وملبسُه حرامٌ، وغُذِّيَ بالحرامِ فأنَّى يُستجابُ لذلك ) ). [أخرجه مسلم 1014] .

معاشِرَ المُسلمين:

إنَّ الله لمَّا حرَّم الرِّبا حرَّم جميع الوسائل الموصلة إليه سدًَّا للذَّريعة، ومن ذلك بيع العِينة: وهي أن يبيع سلعة بثمن معلوم مؤجَّل، ويسلمها إلى المشتري، ثم يشتريها هذا البائع قبل قبض الثمن بثمن نقد أقل. مثال ذلك: أن يبيع شخصٌ سلعةً على شخص آخر بمائة ريال مؤجلة لمدة سنة، ثم في نفس الوقت يشتري هذا البائع سلعته من المشتري بخمسين ريالا نقدًا، وتبقى المائة في ذمة المشتري الأول، وهذا محرم، فقد جاء عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله: (( إذَا تبايَعتم بالعِينةِ، وأخذتُم أذنابَ البقرِ، ورضيتُم بالزَّرعِ، وتركتُم الجهادَ، سلَّط الله عليكم ذلًَّا لا ينزِعُه حتَّى ترجِعوا إلى دِينكم ) ). [رواه أبو داوود 3/275برقم3462 وصححه الألباني لكثرة طرقه السلسلة الصحيحة 1/15 برقم] 11.

ألا فاتقوا الله عباد الله، واحذروا المكاسب الخبيثة، فإن أجسامكم على النَّار لا تقوى. عن سمرة بن جندب t قال: قال النبي: (( رأيتُ الليلة رجلينِ أتَيَاني فأخرجاني إلى أرضٍ مقدسةٍ، فانطلقنا حتى أتينا على نهرٍ من دمٍ فيه رجلٌ قائمٌ، وعلى وسط النَّهر رجل بين يديه حجارةٌ، فأقبلَ الرَّجل الذي في النَّهر، فإذا أراد أن يخرجَ رَمى الرجلَ بحجرٍ في فِيهِ فَرُدَّ حيثُ كان، فجعلَ كلما جاءَ ليخرجَ رمى في فيه بحجرٍ فيرجع كمَا كان، فقلتُ من هذا فقال: الذي رأيته في النَّهر آكلُ الرِّبا ) ). [رواه البخاري في حديث طويل] .

اللهم ارزقنا رزقًا حلالًا وبارك لنا فيه، اللهم ارفع وادفع عنَّا الرِّبا والزِّنى والزلازل والمحن، وأعذنا من مضلات الفتن.

6/6/1426 هـ

يحيى بن موسى الزهراني

الخطبة الأولى:

الحمد لله الواحد المعبود، عم بحكمته الوجود، وشملت رحمته كل موجود، أحمد - سبحانه - وأشكره وهو بكل لسان محمود، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الغفور الودود، وعد من أطاعه بالعزة والخلود، وتوعد من عصاه بالنار ذات الوقود، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، صاحب المقام المحمود، واللواء المعقود، والحوض المورود، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، الركع السجود، والتابعين ومن تبعهم من المؤمنين الشهود، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى اليوم الموعود...أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوه رحمكم الله تقوى من أناب إليه، واحذروه حذر من يؤمن بيوم العرض عليه، واعبدوه مخلصين له الدين، وراقبوه مراقبة أهل اليقين، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين.

أمة الإسلام: في مثل هذه الأيام من كل عام، يحزم الناس أمتعتهم، ويجهزون حقائبهم، استعدادًا للسفر، ولكل منهم مقصده، فمن كان قصده الترويح البريء كان مأجورًا، ومن كان قصده غير ذلك، فالأعمال بالنيات، وكل هجرته إلى ما هاجر إليه، ثم توفى إليهم أعمالهم يوم القيامة وهم لا يبخسون، قال - تعالى:"إن الله لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلمون"

أيها المسلمون: الناس في هذه الإجازة الصيفية، فرق شتى، منهم من يستعد للسفر، ومنهم من أخذ أهبته للزواج، ومنهم من عزم على شراء سيارته، ومنهم من يريد تشييد منزله، وغيرهم كثير، فكل يحتاج إلى النفقات، وتأمين الحاجيات، ولا يتأتى ذلك إلا بوجود المال، وإن مما تأسف له النفوس، ونذير حرب ضروس، ما يقع فيه كثير من المسلمين اليوم، من تهافت على البنوك الربوية، والمصارف المحرمة، لاقتراض المال الحرام، من أجل متعة دنيوية ما تلبث أن تزول وتذهب، ويكون وبالها على فاعلها، قال - تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون * واتقوا النار التي أعدت للكافرين"، فلربما كان البيت قبرًا، والسيارة تابوتًا، والزوج وبالًا، فاتقوا الله أيها المسلمون، واحذروا دخول الربا في تعاملاتكم وأموالكم، فذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت