فهرس الكتاب

الصفحة 553 من 1226

أمَّا بعدُ: فاتَّقوا الله عباد الله، فإن التَّقوى لباس الإيمان، ومن أحبَّ أن يكون أكرمَ الناس فلْيلزم تقوى الله في السرِّ والعلن، ألا فطوبى للمتقين وحسن مآب.

أيُّها المسلمُون:

السَّعيُ على العيال، وتحرِّي لقمة الحلال، من أشرف الخصال، الأرزاق مقدَّرة، والآجال مكتوبة، والعبد مأمورٌ بفعل السبب مع اعتماد قلبهِ على الله وصدق التوكل عليه.

هذا ولقد أمر الله المؤمنين بالأكل من الطيبات، والبعدِ عن المكاسب الخبيثة والأموال المحرَّمة، يقول الله - تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) ) (سورة البقرة: 172) .

ويقول - تعالى: (( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) ) (سورة المؤمنون: 51) .

فأكل الحلال طريق الرسل وطريق أتباعهم من المؤمنين، كما أن الشَّرَهَ في جمعِ المال وطلبه من المتشابَه والمحرم يسبب الغفلة، ويقسي القلب، ويوجب غضب الربِّ.

عبَاد الله:

ألا وإن شرَّ المكاسب التعامل بالرِّبا وأكله وتوكيله، فهو من كبائر الذنوب، ومن أسباب منع القَطْرِ ونزع البركات، بل إنَّ المُرابي محاربٌ لله ملعونٌ في سنة رسول الله ، واستمعوا معاشر المسلمين إلى آيات عظيمة تزلزل القلوب الحية، كلها وعيدٌ شديدٌ لأهل الربا، يقول - جل وعلا - في أواخر سورة البقرة: (( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون * يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ) ) (سورة البقرة: 275 -276) . فهم يقومون يوم القيامة من قبورهم كالمجانين، (( إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ) ).

قال قتادة: (وتلك علامة أهل الرِّبا يوم القيامة، بُعِثوا وبهم خبلٌ من الشيطان) .

ثم قال - تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ) ) (سورة البقرة: 278 -279) .

فما ظنُّكم بهذا الإنسان الضعيف، هل يقوى على محاربة القويِّ العزيز؟ ما ظنكم بمن يفعل مثل فعل اليهود وأهل الجاهلية.

يقول الله عن اليهود: (( وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ ) ) (سورة النساء: 161) .

ألا ما أعظم الأمر، وما أفدح الخطب، وما أشدَّ الخسارة على أهل الربا في الدنيا والآخرة،

روى ابن ماجة عن ابن مسعود عن النبي قال: (( مَا أحدٌ أكثرَ منَ الرِّبَا إلا كانَ عاقبةُ أمرِهِ إلى قِلَّة ) ). [صححه البوصيري والحاكم والذهبي وحسنه ابن حجر، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة، بواسطة التفسير الصحيح لحكمت البشير 1/386] .

وفي صحيح مسلم عن جابر قال: لعن رسول الله آكلَ الربا ومُوكِله وكاتبَه وشاهدَيْه وقال: (( هُمْ سَوَاء ) ).

وفي مسند الإمام أحمد (3809) عنه أنه قال: (( لعنَ اللهُ آكلَ الرِّبَا ومُوكلَهُ وشاهدَيْهِ وكاتبهُ ) )قال: وقال: (( مَا ظهرَ في قومٍ الرِّبا والزِّنا إلا أحلُّوا بأنفسهِم عقابَ اللهِ - عز وجل - ) ). [التفسير الصحيح حكمت بشير 1/387] .

وعن أبي هريرة عن النبي قال: (( اجتنبُوا السَّبعَ الموبِقات. قالُوا: ومَا هنَّ يا رسولَ الله؟ قال: الشِّركُ، والسِّحرُ، وقتلُ النَّفسِ التي حرَّمَ الله إلا بالحقِّ، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليتيمِ، والتولِّي يومَ الزَّحفِ، وقذفُ المحصناتِ الغافلاتِ المؤمنات ) ). [أخرجه البخاري ومسلم] .

عبَاد الله:

تأمَّلوا قولَه - تعالى -في شأن أهل الرِّبا: (( فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ ) )فهو وربِّي وعيدٌ شديد، لكلِّ مرابٍ عنيد، قال ابن عباس- رضي الله عنهما-: (يُقال يوم القيامة لآكلِ الربا: خُذْ سلاحَك للحرب تهكُّمًا به) .

وذكر القرطبيُّ في تفسيره: (أنَّ رجلًا جاء إلى الإمام مالك بن أنس- رحمه الله - فقال: يا أبا عبد الله، إني رأيت رجلًا سكرانًا يتعاقر يريد أن يأخذ القمر، فقلت: امرأتي طالقٌ إن كان يدخل في جوف ابن آدم شرٌّ من الخمر، فقال له مالك: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغَدِ فقال له: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد فقال له: امرأتك طالق، إني تصفَّحت كتاب الله وسنَّة نبيِّه فلم أرَ شيئًا أشرُّ من الربا، لأن الله أذِنَ فيه بالحرب) . [تفسير القرطبي 3/364] .

وروى عليُّ بن أبي طلحة عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: (( فمن كان مقيمًا على الرِّبا لا يَنْزِعُ عنه فحقٌّ على إمام المسلمين أن يستَتِيبَه، فإن نزع وإلا فضرب عنقه ) ). [أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن التفسير الصحيح حكمت بشير 1/387] .

أيُّها المسلمُون:

الربا في اصطلاح الفقهاء يتناول أمرين في الجملة:

الأول: ربا الجاهلية (ربا القرض) :

وهو الزِّيادة في الدَّيْن مقابل تأجيل المدة، سواء اشتُرطت الزيادة عند حلول الأجل أو في بداية الأجل.

الثاني من أنواع الرِّبا: ربا البُيوع وهو نوعان:

الأول: ربا الفضل: وهو الزيادة في أحد البدلين الربويَّيْن المتفقين جنسًا، كأن يبيع صاعًا من البُرِّ بصاعين منه فهذا حرام، أو مائة مثقال من الذهب بمائة وعشرين وإن اختلفا في الجودة.

النوع الثاني: ربا النَّسِيئَة: يعني تأخير القبض عند مبادلة الربوي بالربوي.

مثال ذلك: برٌّ ببُرٍّ بعد شهر، أو ريال بريالين بعد شهر مثلًا، وقد يجتمع ربا الفضل مع ربا النسيئة في مثل هذه الحالة، وهي: مائة ريال بمائة وعشرة بعد شهر مثلًا.

وقد دلَّت الأحاديث الصحيحة على هذا بقول النبي: (( لا تبيعوا الدينارَ بالدينارينِ، ولا الدِّرهمَ بالدرهمينِ ) [رواه مسلم 1585] .

وقال: (( الذَّهبُ بالذَّهبِ والفضَّةُ بالفضَّةِ والبُرُّ بالبُرِّ والشَّعيرُ بالشَّعيرِ والتَّمرُ بالتَّمرِ والمِلحُ بالملحِ مثلًا بمثل يدًا بِيَدْ فمَن زادَ أو اسْتزادَ فقد أبَى الآخذ والمعطي فيهِ سوَاء ) ). [رواه مسلم 1584] .

وعن عبادة بن الصامت t قال: قال رسول الله: (( الذهبُ بالذهبِ والفضةُ بالفضةِ والبرُّ بالبرِّ والشعيرُ بالشعيرِ والتمرُ بالتمرِ والملحُ بالملحِ مثلًا بمثل وسواءً بسواء يدًا بيد فإذا اختلفت هذهِ الأصنافُ فبيعوا كيفَ شئتم إذا كان يدًا بيد ) ) [رواه مسلم 1587] .

وعن أبي سعيد قال: جاء بلال بتمر بُرْنِيٍّ (تمر جيِّد) ، فقال له رسول الله:

(( من أين هَذا؟ فقال بلال: تمر كان عندي رديء بعت منه صاعين بصاعٍ لمطعَم النَّبي فقال رسول الله عند ذلك: أوّه عينُ الرِّبَا لا تفعلْ ولكن إذا أردتَ أن تشتريَ فبِعْهُ ببيعٍ آخرَ ثمَّ اشترِ بِهِ ) ). [رواه البخاري ومسلم] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت