وهذه الحيل تنطبق على أعداد ليست بالقليلة من المسلمين في التحايل على المعاملات الربوية التي ظاهرها البيع ولكن حقيقتها هو استحلال الربا بتلك الطرق الملتوية والتي أخذت أشكالًا وصورًا مختلفة، هدفها صيد الفريسة وإيقاعه في شباك الحيل، أي صاحب الحاجة الذي أتى للشركات أو المعارض أو المصارف أو الأفراد والذي يريد الحصول على نقود يحتاجها في زواج أو خلافه ثم يصطاده أولئك المتربصون به وبأمثاله من الملايين ولا أقول العشرات أو المئات أو الألوف وعشراتها ومئاتها لأن غالب الناس اليوم واقعون في تلك الديون المتراكمة عليهم منذ عشرات السنين بسبب حاجتهم الأولى لبعض النقود التي أدت نتيجتها وسلبياتها الحتمية إلى هذه المآزق التي قد لا يتخلص منها كثير من الناس في حياتهم وقبل موتهم بل تبقى ذممهم مرهونة لتلك الديون التي لم تنفك عنهم طوال حياتهم وذاقوا مرارة الحياة من استغلال أصحاب الأموال من الأغنياء لحاجات الفقراء والضعفاء وعامة الناس ومن خلال استدراج المصارف المسماة بالبنوك الربوية وغيرها التي تستدرج الناس بما تنشره من دعايات لتوفير حاجاتهم وإصدار البطاقات التي يغترّ بها كثير منهم ومن ثم يقعون في الربا خطوة خطوة، وقد أصاب الإفلاس بعض أصحاب مئات الملايين بعد تعاملهم بالربا مع تلك المصارف، فاستمراء الناس للربا وانتشاره وتسمية الأموال التي تأتي عن طريق التعامل به الفوائد والأرباح لا يغيّر من الواقع شيئًا ولا تحوِّل تلك الأسماء المسميات من الحرام إلى الحلال أبدًا فهي ربا صريح محرم في دين الإسلام، والأسماء الجديدة للربا حيث يسمى بالفوائد والأرباح المركبة والبسيطة، وللخمور بالقهوة والمشروبات الروحية وللأغاني والموسيقى والطبول بالفنون والتسلية والترفيه لا يخرجها قيد أنملة من الحرام إلى الحلال، فاختراع أسماء للمحرمات غير ما سميت لا يخرجها عن مسمياتها بل إن ذلك من علامات الساعة التي ورد عنها الخبر من سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم.
فليحذر كل مسلم من التعامل بالربا وأخص أصحاب معارض السيارات الذين استغلوا حاجات الناس باسم التقسيط وقد تجلس السيارة في المعرض إلى أن تتلف عجلاتها وإطاراتها ويتغير لونها، وتباع من صاحب الحاجة لأحد الوسطاء والسماسرة الذين يسمّون بالشريطية المحللون للبيع ثم تعاد لصاحب المعرض وهكذا وهي في مكانها، أو تخرج للحيلة فقط لأن القصد اصطياد أصحاب الحاجات وتسجيل الديون المضاعفة عليهم والسيارات التي هي حيل وخداع باسم البيع والشراء، ومثل ذلك في التجار الذين تتلف لديهم أكياس الحب والسكر والبن والهيل والأرز، وطرق المعاملات الربوية كثيرة ليس هذا مجالها ولكن التنبيه والإشارة كافية، هذا ما تم إيضاحه على سبيل الإجمال من أجل الذكرى التي ينتفع بها المؤمنون ولمن كان له قلب واع خائف وجل من الله عز وجلّ قال تعالى: وَذَكّرْ فَإِنَّ الذّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55] . وقال عز وجل: فَذَكّرْ إِن نَّفَعَتِ الذّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الاْشْقَى الَّذِى يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى [الأعلى:9-12] . وقال تعالى: إِنَّ فِى ذالِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37] .
فعلينا أن نتقي الله تعالى ونخشى عذابه وبطشه في الدنيا، ويوم يقوم الناس لرب العالمين يوم يتخلى عنا أقرب قريب لنا ولا يبقى إلا الحسنات والسيئات وتأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى ما عملت في هذه الحياة الدنيا، وتذكروا دائمًا الآية القرآنية التي جاءت بعد آيات تحريم الربا والتحذير من عواقبه وقد جاءت آيتان كريمتان بعدها مباشرة، فيهما الحلول الشافية الكافية الكفيلة بإذن الله بما يبعد الناس عن الربا والوقوع فيه فلنتأمل هذه والتي بدأت بالحث على الإنفاق ولنربط بين كل الآيات ابتداءً من الآية التي قبل آية الكرسي ونتأمل ونتدبر كلام ربنا ونعمل به ونطبقه في حياتنا فذلك خير لنا في الدنيا والآخرة. قال تعالى: وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [البقرة:281] .
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 1823)
سعد بن عبد الله العجمة الغامدي
الطائف
سعيد الجندول
الخطبة الأولى
أما بعد:
فعلينا أن نتقي الله ونحذر من دخول الربا في معاملاتنا واختلاطه بأموالنا فإن أكل الربا وتعاطيه من أكبر الكبائر عند الله، وقد توعد الله المرابي بالنار وآذنه بحرب من الله ورسوله، قال عز وجل: يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرّبَوااْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبتُمْ فَلَكُمْ رُءوسُ أَمْوالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ [البقرة:278-279] .
فهذا النص القرآني واضح الدلالة على تعليق إيمان الذين آمنوا على ترك ما بقي من الربا، فهم ليسوا بمؤمنين إلا أن يتقوا الله ويذروا ما بقي من الربا، ليسوا بمؤمنين ولو أعلنوا أنهم مؤمنون، فإنه لا إيمان بغير طاعة وانقياد واتباع لما أمر الله به، ولا يدع إنسانًا يتستر وراء كلمة الإيمان بينما هو لا يطيع ولا يرتضي ما شرع الله عز وجل، ولا ينفذ هذا الشرع في حياته ولا يحكمه في معاملاته، فالذين يفرقون في الدين بين الاعتقاد والمعاملات ليسوا بمؤمنين مهما ادعوا الإيمان وأعلنوا بلسانهم أو بشعائر العبادة الأخرى أنهم مؤمنون!! فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279] . ماذا يستطيع أن يواجه هذا الإنسان الضعيف الفاني في حرب رهيبة معروفة المصير، إنه يفتح على نفسه باب الخسران والهلاك.
لقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عامله على مكة بعد نزول هذه الآيات التي نزلت متأخرة أن يحارب آل المغيرة هناك إذا لم يكفوا عن التعامل الربوي، وقد أمر صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم فتح مكة بوضع كل ربا في الجاهلية _ وأوله ربا عمه العباس _ عن كاهل المدينين الذين ظلوا يحملونه إلى ما بعد الإسلام بفترة طويلة ولم يأمرهم برد الزيادات التي سبق لهم أخذها في حال الجاهلية فقال في معرض خطبته عليه الصلاة والسلام: (( وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول ربا أضع ربا العباس. . ) ).