(52) انظر: الفتوى بين الانضباط والتسيب ص 75-77 ؛ المفتي في الشريعة الإسلامية د . الربيعة ص 27 ؛ أصول الفتوى والقضاء د . محمد رياض ص 220 - 222 ؛ أصول الفتوى د . الحكمي ص 48 ' 49 .
(53) إعلام الموقعين 4 / 152 .
(54) المرجع السابق 4 / 152 , 160 .
د.عبد العزيز القارئ 27/1/1424
أمريكا تهاجم الإسلام؛ لقد أعلنتها حربًا صليبية؛ هكذا بكل وضوح ووقاحة، إذن هاهي الحرب الصليبية الثالثة قد بدأت.
كان الهجوم الصليبي الأول على يد الأوربيين، وسقط ( بيت المقدس ) في أيديهم سنة 402هـ، وقسَّموا الشام إلى إمارات صليبية استمرت قرابة مائتي عام وحرر صلاح الدين ( بيت المقدس ) وطرد الصليبيين من معظم الشام عام (583) هـ.
وكان الهجوم الصليبي الثاني على يد الأوروبيين أيضًا، بعد الحرب العالمية الأولى التي انتهت سنة (1337) هـ، تقاسموا العالم الإسلامي في حملة سميت بـ"الاستعمار"وسقطت الشام وشمال أفريقيا بيد"الفرنسيين"وليبيا بيد"البريطانيين"والعراق ومصر وشرق الجزيرة العربية وجنوبها بيد"الإنجليز"وكذلك الهند وإيران، واحتل الهولنديون أندونيسيا، وهكذا تكالبوا على العرب وعلى العالم الإسلامي تَكَالُبَ الأَكَلَةِ على قَصْعَتها.
والآن ها هو التاريخ يعيد نفسه، وها هو الرئيس الأمريكي المتعجرف يعلن الحرب الصليبية الثالثة على الإسلام، وبعد احتلال أفغانستان، يريدون الآن احتلال العراق، وبقية المنطقة، وربما الوصول إلى قلب العالم الإسلامي واحتلاله، وأما التمكين لليهود في فلسطين وفي المنطقة فهو الهدف الأكبر، ولذا فالحرب الصليبية هذه المرة أمريكية يهودية ؛ وفيها أمور هامة نلفت إليها انتباه المسلمين:
( أولًا ) :يجب أن نوقن بأن عاقبة هذه الحرب الصليبية اليهودية الجديدة ستكون للإسلام، لقد جرب الأوربيون مرتين وفشلوا في القضاء على الإسلام، ولم يستطيعوا الاستمرار طويلًا في احتلال العالم الإسلامي، كان في كل مرة ينتفض ولو بعد حين ويقذف بهم بعيدًا، وأنا موقن أن هجومهم هذه المرة سينتهي بعد سلسلة من الحروب والكوارث بالقضاء على اليهود وسقوط دولتهم والقضاء على أمريكا والصليبيين جميعًا..
لقد علَّمَنَا القرآن وبينت لنا السنة النبوية أن الصراع الأبدي المستمر حتى نهاية العالم هو بين الإسلام من جهة وبين اليهودية والنصرانية من الجهة الأخرى، وأنه مستمر دُولةً حتى تسقط في النهاية إحدى الجبهتين، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نهاية هذا الصراع ستكون بانتصار المسلمين وظهور الإسلام على الدين كله، والقضاء على اليهود، وكسر الصليب..
والمؤمن إذا قرأ نصوص السنة الواردة في هذا الموضوع يفهم كل ما يجري الآن، ولا ينبغي أن يقول مثل ضعفاء الإيمان: نلجأ إلى الغيبيات لنبرر عجزنا ونهرب من واقعنا. بل المسلم صحيح الإيمان يؤمن بالغيب، وبما أخبر الصادق الأمين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ وهو قد أخبر بكل ما هو كائن بين يدي الساعة من الأمور الهامة، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه (1) .
ونحن نلجأ إلى القرآن وإلى ما أخبرت به السنة النبوية لنُقَوِّيَ إيماننا، ونُثَبِّتَ ضُعَفَاءَنا، ونَفْهَمَ واقعنا..
السنة النبوية أخبرت بكل الوقائع الكبرى في حياة الأمة الإسلامية إلى قيام الساعة ؛ حتى هجوم المغول الذي عصف بالخلافة العباسية، ودمر الأخضر واليابس أخبرت به السنة (2) ..
ولو كان المسلمون يقرؤون ويفقهون كلام ربهم وسنة نبيهم لتسلَّحوا بأول سلاح للمقاومة وهو الوعي، والفهم الصحيح لما يجري، ولتسلحوا بأقوى سلاح وهو الإيمان الثابت القوي واليقين الصادق بأن هذا الدين ظاهر على الدين كله، وأن الله غالب على أمره.
ثم لا ننسى أننا نعيش في عصر يُعَدُّ الربع الأخير من الزمان، وهذا الربع الأخير بدأ ببعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وينتهي بقيام الساعة؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: ( بُعِثت أنا والساعة كهاتين - يعني أصبعيه ) (3) يشير صلى الله عليه وسلم إلى شدة قربها، وعند التأمل تجد أننا اليوم في الربع الأخير من الربع الأخير، لأن أشراط الساعة الصغرى قد تحققت سائرها ؛ ولم يبق إلا أشراطها الكبرى، حيث تقع الملاحم الكبرى التي تنتهي بالقضاء على اليهود والنصارى، وبظهور الإسلام على أعدائه.
( ثانيًا ) :ينبغي ألا نغترّ بهذه البشائر الواردة في السنة، وألا نتَّكِل عليها ونتواكل بسببها؛ فقد لا نكون نحن هذا الجيل المقصودين بها، وينبغي ألا نزكي أنفسنا فقد نُبتلَى بتسليط العدو علينا، حسب ذنوبنا، وحالنا وحال قلوبنا، وحال قياداتنا وحكامنا؛ وقد نكون نحن وقودَ المعركة، والذي سيجني ثمار النصر غيرنا، مسلمون آخرون يُوَفُّون بشروط النصر، وقد نشهد نحن بشائر النصر وبوادره بعد ابتلاء شديد وحوادث جِسَام..
نقول هذا لننبه المسلمين إلى سنن الله التي لا تتبدل، منها أنه لابد من التطهير قبل النصر، وأن النصر لا ينزل على الكسالى والغافلين..
ومن سنن الله العجيبة أنه يحمي بنفسه قلبَ العالم الإسلامي وهو الحرمان المقدسان مكة والمدينة، فلا يقتحمهما الأعداء، وفي الملاحم الأخيرة يحاول المسيخُ الدجال اقتحامهما وهو يهودي فلا يستطيع، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المدينة النبوية تحميها منه الملائكة يجدهم على أنقابها شاهري السيوف وأنقابُها يعني مداخلها (4) .
ولكن الأعجب من هذا أنه لا حصانة لهاتين المدينتين المقدستين من الظّلمة والمنافقين من حكام المسلمين؛ فلقد ابتُلِيتا بشرورهم في مراحل التاريخ السابقة، ووقائع الحرة بالمدينة النبوية، وهدم الحجاج للكعبة بالمنجنيق، ثم غزو القرامطة لمكة، أشهرُ من أن تُذكر..
لكن تَأمَّل: لم يقتحم مكة يومًا من الأيام عدو كافرٌ يهوديٌ أو نصرانيٌ أو مجوسيٌ، أو غير ذلك؛ ولما حاول"أبرهة"الحبشيُّ النصرانيُّ حَمَى الله بيته منه بأضعف خلقه ( الأبابيل ) طيور صغار جاءت من جهة البحر ؛ ولكن تَقَحَّمَ مكة ( القرمطي ) الرافضي المنافق وقتل الحجاج في المسجد الحرام، هذا نوعٌ من البلاء لم تُمنع منه المدينتان؛ إذْ أن أهلها مثل باقي المسلمين، إذا كثُرت ذنوبهم وأساءوا الأدب مع هذا الجوار المقدس فإنهم يُعاقبون ويطهَّرون بأنواع من البلايا والفتن، ليس منها ظهور العدو الكافر من اليهود والنصارى وغيرهم ؛ لأن في هذا ذهاب الإسلام، واستئصال هذه الأمة، وهذا ممنوع.
( ثالثًا ) :التاريخ يعيد نفسه، ويكرر عظاته ودروسه الجِسَام، ولكنّ أكثر الناس لا يفقهون، بل لا يقرؤون، لو كنا نقرأ التاريخ ونستفيد من تجاربه ودروسه إذن لكان حالنا أحسن مما هو عليه الآن، الحوادث الكبرى تتكرر، والعلل والآفات تتكرر، وأسباب الدمار والانهيار هي نفسها..
في القرون الثلاثة الخامس والسادس والسابع هبَّت على الأمة عواصفُ هائلة كادت تقتلعها من جذورها: بدأت بهجوم الصليبيين على جناحها الغربي الذي انتهى باحتلالهم لـ ( بيت المقدس) ، ثم هجوم المغول على جناحها الشرقي الذي انتهى بتدمير بغداد وإسقاط الخلافة العباسية، أعظم خلافة بعد (الراشدين ) .