الثاني: إن من القواعد المقررة عند أهل العلم: أنه إذا احتمل اللفظ أكثر من معنى وليس بينهما تعارض فإنه يحمل عليهما.
فكل معاملتين ظاهرهما الصحة وباطنهما التحايل على أكل الربا فهما داخلتان في النهي الذي في الحديث، فيشمل الحديث بيع العينة وقلب الدين وغيرها من المعاملات.
وأخيرًا:
هذه بعض المخالفات على هاتين البطاقتين، وأحسب أن هذا البحث ما هو إلا بداية لبحوث أخرى من العلماء وطلاب العلم المهتمين بهذه المعاملات، وإني أدعو الباحثين إلى تجلية هذا الأمر وزيادة بحثه، حتى يكون الناس على بصيرة من أمرهم.
فوالله لو ترك هذا الأمر ومر مرور الكرام فلن يكون ربا في البنوك، وسينتهي الربا إلى غير رجعة بالتحايل عليه، وسيصعب رد الناس عنه إذا انغمسوا فيه.
ونحن بأمس الحاجة إلى الرجوع إلى الله، والتوبة إليه، فالأمة تعيش في عصر تكالب عليها أعداء الله من كل جانب، والنصر لا يأتي إلا من عند الله، وكيف ندعو الله النصر؛ ونحن نحاربه بأكل الربا .
كما أدعو القائمين على الهيئات الشرعية الذين أجازوا مثل هذه المعاملات أن يبينوا لنا مسلك إباحتهم لهذه المعاملة بالأدلة الصريحة الصحيحة، حتى تظهر للعيان حجج الطرفين ومسلك كل فريق.
وإني لأتوجه بالدعاء إلى الله قيوم السموات والأرض أن يأخذ بأيدينا إلى سواء السبيل، وأن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، وان يرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على خاتم رسله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
(1) بطاقات الائتمان، للشيخ بكر أبو زيد ص 11
(2) انظر: الإجماع لابن المنذر ص 95، المغني (6/436) ط هجر.
(3) مجموع الفتاوى (29/419)
(5) الفتاوى السعدية (ص 353) .
(6) الفواكه الدواني 2/101.
(7) المصدر السابق.
(8) انظر: شرح حدود ابن عرفه ص253، الفواكه الدواني 2/101.
(9) رسالة المداينة للشيخ محمد العثيمين رحمه الله (ص 14-15) .
(10) الفتاوى السعدية (ص 350) ، رسالة المداينة (ص 15-16) .
(11) الفتاوى السعدية (ص 352) .
(12) نيل المآرب في تهذيب عمدة الطالب، للشيخ عبد الله البسام (3/86) .
(13) الدرر السنية في الأجوبة الحنبلية (6/117) . وهي فتوى لأبناء الشيخ محمد وهم:حسين وإبراهيم وعبدالله وعلي.
(14) المغني (6/410) ، الإنصاف (4/34) .
(15) الفواكه الدواني (2/102) .
(16) المنتقى شرح الموطأ (5/66) 6
(17) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (29/439)
(18) تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل القرآن ) (7/204) .
(19) إعلام الموقعين (2/75-81) .
(20) رواه ابن بطة في إبطال الحيل، وقواه شيخ الإسلام في بيان الدليل ص55، ط المكتب الإسلامي.
(21) رواه البخاري في كتاب: البيوع، باب: بيع الميتة والأصنام ( الحديث رقم 2236) ، وأخرجه في كتاب التفسير، باب:"وعلى"
الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما" (الحديث رقم 4633) ، وأخرجه أيضًا في كتاب"
المغازي، باب:51، (الحديث رقم 4296) ، ورواه مسلم في كتاب: المساقاة، باب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، (الحديث رقم 4024) .
(22) المغني (6/116) .
(23) المغني (6/154) .
(24) إعلام الموقعين 4/522-527).
(25) أخرجه أبو داود في كتاب: البيوع، باب: في الرجل يبيع ما ليس عنده، (الحديث رقم 3504) ، والترمذي في كتاب: البيع
باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك، (الحديث رقم 1234) ، والنسائي في كتاب:البيوع، باب:شرطان في بيع، ( الحديث
رقم (4644) ، وأحمد في المسند (حديث رقم 6633) . والحديث صححه ابن تيمية في الفتاوى الكبرى 6/177، وحسنه الألباني في إرواء الغليل 5/146-148.
(26) التعليق عل سنن أبي داود، (عون المعبود 9/402) .
(27) أخرجه الترمذي في كتاب:البيوع ، باب ما جاء في النهي عن بيعتين في بيعة، (الحديث رقم 1231) ،والنسائي في كتاب:البيوع
باب: بيعتين في بيعة، (الحديث رقم 4646) ، وأحمد في المسند (حديث رقم 9795) ، وحسنه الألباني إرواء الغليل (5/149.
د. سامي بن إبراهيم السويلم 23/9/1424
أثارت موجة التفجيرات الأخيرة في الرياض كثيرًا من التساؤلات: ما هي الأسباب؟ وما هي الحلول؟.
إذا رجعنا إلى القرآن العظيم؛ فلن يكون عسيرًا أن نمسك بخيوط المشكلة.
إن مجتمعنا -ولله الحمد- يدين بالتوحيد، ولا توجد دعوة تناقض هذا المبدأ، ظاهرًا على الأقل. وإذا كان كذلك فلننظر في الانحرافات الأخرى، وأيها يمكن أن يؤدي إلى هذا الوضع.
إن الاضطراب وانعدام الأمن قرين الحرب، فما هي المعصية التي توعدها الله تعالى بالحرب؟.
لن نجد صعوبة في الجواب عن هذا السؤال، إذ ليس في القرآن ذنب توعد الله أهله بالحرب سوى ذنب واحد: الربا. قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) . ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله:"إني تصفحت كتاب الله وسنة نبيه، فلم أر شيئًا أشر من الربا، لأن الله أذن فيه بالحرب." (الجامع لأحكام القرآن 3/364) .
لقد تطاولت قلاع الربا في بلادنا، واستفحلت الديون الربوية، حتى صار الاقتصاد بأكمله رهنًا للمرابين. وتجاوزت الديون الحكومية 600 مليار ريال، تدفع عليها فوائد سنوية تتجاوز 30 مليار ريال. ولمن تذهب هذه الفوائد؟ لا نحتاج إلى قدر كبير من الفطنة لندرك أنها تذهب للمتخمين بالمال الذين لم يجدوا أفضل من إقراضه بربا. إن 30 مليار سنويًا كفيلة بحل معظم المشكلات التي يعاني منها المجتمع، لكنها بدلًا من ذلك تذهب لجيوب المرابين الذين لا يزيدون الاقتصاد إلا وهنًا وضعفًا. فالربا حيثما كان وأينما وجد، نزيف في الاقتصاد ونذير شؤم على البلاد.
والربا لا ينشأ من فراغ، بل هو نتيجة للإسراف والتبذير والإنفاق غير المشروع. ولهذا وصف الله -تعالى- المبذرين بأنهم (إخوان الشياطين) ، ووصف المرابين بأنهم (لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) . فالتبذير والربا متلازمان، ولهذا كان كلاهما قرين الشيطان.
والربا بدوره لا يؤدي إلا إلى مزيد من التبذير والإسراف. فتتضاعف المشكلة، وتتفاقم البطالة، وتزداد الهوة بين الفقراء والأغنياء، وترتفع حدة التوتر بين فئات المجتمع بشكل مخيف. ولا أمل في الخروج من هذه الدوامة إلا بالعودة الصادقة إلى الله، والحد من مظاهر الإسراف، واستئصال الربا من جذوره.
ما هو أسوأ من الربا
إذا كان الربا هو شر الذنوب؛ لأن الله تعالى آذن أهله بالحرب، فما هو الأسوأ من الربا؟
إنه التحايل على الربا والتلاعب بأحكام الشرع ليظهر الربا المحرم بمظهر البيوع المشروعة. إن اليهود قد أكلوا الربا صراحة، ومع ذلك لم يعاقبهم الله على ذلك في الدنيا بعقوبة عاجلة. لكنهم لما احتالوا على صيد الحيتان يوم السبت مُسخوا قردة، كما قال تعالى: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين) . لماذا يمسخون على الاحتيال على صيد الحيتان، ولا يمسخون على أكل الربا؟، مع أن الصيد أهون بكثير من الربا؟ لأن التحايل على شرع الله أعظم إثمًا وأشد جرمًا من المعصية المجردة. فالتحايل على المعصية استحلالٌ لها، والاستحلال أشد بمراحل من الوقوع في الذنب دون استحلال.