3-يرتبط الاتجار في العملات بشبهات أخرى تؤكد الحرمة، ومن ذلك: ما يعرف ببيع وشراء الخيارات، حيث لا يتم الشراء والبيع في محل العقد، وإنما يتم إعطاء خيار لمشتري العملة بإتمام الصفقة أو عدمها خلال فترة زمنية معينة، ويتم دفع مبلغ معين من قيمة الصفقة خلال فترة الخيار، يحق للمشتري أو البائع فيها إمضاء البيع والشراء، ويتم الاتجار في هذه الخيارات أيضًا، وإذا انتهت فترة الخيار ولم يقم المشتري بالتصرف بهذا الخيار بإتمام الصفقة أو بيع الخيار بسعر أعلى مما اشتراه به: يخسر ما دفعه، وهذا الأسلوب يقوم على التوقعات والمضاربة، فهو شراء وبيع غير ناجز، وبالتالي: حصل المحذور الشرعي بعدم التقابض الحسابي.
تتم ممارسة الاتجار بالعملات من قبل بعض البنوك الإسلامية، وقد أوجدت لها صناديق استثمارية، وأجيز شراء وبيع العملات بهدف تحقيق الربح نتيجة للتذبذب في أسعار العملات، ولذا: فإن الواجب الامتناع عن ذلك، أما شراء العملات من المصارف بقصد تمويل عمليات الاستيراد، وليس بقصد تحقيق الربح من خلال الاتجار فيها: فهذا أمر جائز؛ لأن ذلك بقصد تحقيق التبادل السلعي والخدمي، وهي الوظيفة الأساسية التي من أجلها جعلت النقود، ويدل على ذلك حديث ابن عمر (رضي الله عنهما) الذي رواه أبو داود والنسائي، جاء فيه: (أتيت رسول الله وهو في بيت حفصة، قلت: يا رسول الله: رويدك، أسألك، إني أبيع بالبقيع؛ فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، و أعطي هذه من هذه، فقال رسول الله: لابأس أن تأخذ بسعر يومها، ما لم تفترقا وبينكما شيء) (13) ، فهذا الحديث يوضح دور التصارف وتبادل النقود بعضها ببعض من أجل تيسير التجارة؛ حيث إن القصد من ذلك: إتمام عمليات التبادل السلعي، وبالتالي: فإن شراء العملة الأجنبية بسعر يومها عند فتح الاعتماد أو سداد قيمة السلعة الواردة عند وصول البضاعة بسعر فتح الاعتماد وبسعر سداد قيمة الاعتماد: هو ما يمكن أن يقاس على حديث ابن عمر (رضي الله عنهما) .
أما الصورالأخرى للتعامل بالعملات، التي يمكن أن يشوبها الربا، فهي الصور التالية:
1-بيع وشراء العملات على أساس السعر الآجل ولو كان القصد من ذلك تثبيت قيمة السلع المستوردة، وقصد هذا التعامل هو: التعاقد على شراء العملة حاليًا، ولكن تنفيذها أو قيدها لصالح المشتري وخصمها من رصيد البائع لا يتم إلا بعد مدة مؤجلة متفق عليها: شهر، أو ثلاثة أشهر...، والسعر إما أن يكون مساويًا للسعر الحاضر، أو أعلى منه، أو أقل منه، والاختلاف في السعر يعود إلى توقع ارتفاع الفائدة أو انخفاضها بين مراكز بيع العملات العالمية.
وربوية هذا التعامل تتمثل في عدم تنفيذ التعاقد في مجلس العقد، وهو مخالف للمنع الوارد في الأحاديث النبوية المحرمة لربا النِّساء والتفاضل.
2-الشراء والبيع الآجل للعملات، وهو ما يعرف في سوق العملات باسم سواحب، حيث يتم شراء عملة مؤجلة التسلم، وفي الوقت نفسه: يتم بيعها بعملة أخرى مؤجلة؛ فمثلًا: يتم شراء دولارات مقابل جنيهات إسترلينية حاضرًا أو مؤجلًا، ثم بيع ما اشتراه نفسه بريالات مؤجلة، أي: يتم التسليم على ما تعاقد عليه عند حلول الأجل.
إن التصارف على هذا الأساس باعتبار أن العملات أجناس أثمان يتوفر فيها علة الثمنية عند من اعتبر أن العلة هي الثمنية.. هذا التعامل من الصرف يعتبر تعاملًا ربويًّا لحديث عبادة بن الصامت عن عبدالله (... سمعت رسول الله ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينًا بعين. فمن زاد أو ازداد فقد أربى...) . (14)
الهوامش:
1)النكت والعيون: تفسير الإمام أبي الحسن الماوردي جـ 3 ص
2)أحكام القرآن لأبي بكر بن العربي جـ 3 ص1067.
3)المغني جـ 2 ص 625.
4)المغني جـ 4 ص 59..
5)المرجع السابق، جـ 3 ص 10.
6)مجموعة رسائل ابن عابدين، ص 57.
7)إعلام الموقعين، لابن القيم، جـ 2 ص 137.
8)القرار رقم 2 الصادر في الدورة الثالثة المنعقده فيما بين 1/4/1393هـ إلى 17/4/1393هـ.
9)القرار رقم 6 الدورة الخامسة المنعقدة برابطة العالم الإسلامي فيما بين 8 16/4/1402هـ.
10)أخرجه النسائي: كتاب البيوع، جـ 7 ص283
11)إعلام الموقعين،، جـ 2 ص 140.
12)السابق، جـ 2 ص 141.
13)سبق تخريجه
14)مسلم، باب المساقاة، ح/1587.
مجلة البيان - (ج 103 / ص 28)
دراسات اقتصادية
الربا والأدوات النقدية المعاصرة
د.محمد بن عبدالله الشباني
في الحلقة السابقة من هذه الدراسة تمت مناقشة ماهية النقود في الإسلام، والمواطن الربوية في عمليات العملات الورقية، وفي هذه الحلقة سيتم مناقشة أدوات الدفع من غير النقود الورقية، ومواطن الربا في هذه الأدوات.
لقد تعددت أدوات الدفع المستخدمة في النظام النقدي المعاصر، كما تعددت أشكال الوسائل المستخدمة في دفع الالتزامات، وبخاصة بعد ثورة الاتصالات الإلكترونية، بحيث أصبح العالم مرتبط بعضه ببعض حيث تتم المبادلات التجارية، وسداد الالتزامات في وقت حدوث عمليات التبادل، مهما تباعدت الأقاليم وتعددت أمكنة السداد، فأصبح من الممكن استخدام بطاقات الصرف الإلكتروني لسداد الالتزامات في أي مكان في العالم.
أساليب سداد الالتزامات الجديدة:
لا بد من إلقاء الضوء على تلك الوسائل المستخدمة في سداد الالتزامات بدون استخدام النقود الورقية وتحديد مواطن الربا فيها، وتتمثل هذه الأدوات في الأشكال التالية:
الشيكات:
تنقسم الشيكات التي يتم تبادلها لسداد الالتزامات إلى نوعين:
النوع الأول: شيكات يصدرها الأفراد على البنوك التي يوجد لديها حسابات خاصة بهم ويتم الإيداع فيها، و (الشيك) بهذه الصفة هو أمر مكتوب وفق أوضاع شكلية استقر عليها الصرف، تتضمن أمرًا صادرًا من شخص (هو الساحب) إلى شخص آخر (هو المسحوب عليه ـ البنك) : بأن يدفع لشخص ثالث أو لأمره أو لحامله (المستفيد) مبلغًا معينًا بمجرد الاطلاع (1) ، والشيك إذا كان لأمر ساحبه فهو ورقة ثلاثية الأطراف، ويشبه عندئذ السّفْتَجَة (2) مع اختلاف بين السفتجة والشيك، من حيث: إن سحب الشيك بدون وجود رصيد للساحب لدى المسحوب عليه يفي به، يُعتبر جريمة يستحق عليها الساحب العقوبة، وهي عقوبة مقصورة على ساحب الشيك، والشيك بهذا الاعتبار: هو ورقة تجارية، والتكييف الفقهي للشيك يرتبط بأن الإيداع في البنك المسحوب عليه من الساحب ليس إيداعًا حقيقة، وإنما هو صورة من صور الإقراض يترتب عليها انتقال ملكية النقود إلى البنك المودع لديه، وبهذا يكون السحب على الحساب الجاري في البنك من قبيل تقاضي دين أو جزء منه، وهذا حق للمقرض: يباشره بنفسه إن شاء، أو بمن ينوب عنه؛ حيث يتم تظهير الشيك تظهيرًا ناقلًا للملكية، أو تظهير توكيل، والذي يقصد منه تمكين المظهّر إليه من تحصيل قيمة الشيك لحساب المظهِر.
على ضوء ذلك: فإن الشيك يمثل نوعًا جديدًا من أساليب سداد الالتزامات واعتباره صورة من صور وسائل إيجاد النقود الائتمانية من خلال توسيع نطاق نقل الأموال حسابيًّا بين مختلف الحسابات سواء في البنك الواحد أو فروعه أو بين مختلف البنوك الأخرى وفروعها.