ومن هنا نلاحظ أن صيغة التورق المعمول بها من قِبَل البنوك في توفير التمويل لمن يحتاج إليه؛ إنما هي وسيلة لإيجاد المخرج لاستحلال الربا تحت مسمى الشراء والبيع في السوق الدولية للسلع، فالقصد من بيع المرابحة للسلع التي يتم التعامل بها في سوق المعادن الدولي (البورصة) ، ومن ثم بيعها لصالح المشتري من البنك إنما قصد من ذلك استحلال الإقراض أو الاقتراض، يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ فيما يتعلق بارتباط المقاصد بالأعمال: (ولعن اليهود إذ توسلوا بصورة عقد البيع على ما حرمه عليهم إلى أكل ثمنه، وجعل أكل ثمنه لما كان هو المقصود بمنزلة أكله في نفسه فعلم أن الاعتبار في العقود والأفعال بحقائقها ومقاصدها دون ظواهر ألفاظها وأفعالها، ومن لم يراع القصود في العقود وجرى مع ظواهرها يلزمه أن لا يلعن العاصر(أي عاصر الخمر) ، وأن يجوز له عصر العنب لكل أحد، وإن ظهر له أن قصده الخمر.... وقاعدة الشريعة التي لا يجوز هدمها أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبارات؛ كما هي معتبرة في التقربات والعبادات، فالقصد والنية والاعتقاد يجعل الشيء حلالًا أو حرامًا، وصحيحًا أو فاسدًا، وطاعة أو معصية، كما أن القصد في العبادة يجعلها واجبة أو مستحبة أو محرمة، أو صحيحة أو فاسدة) (2) ، وقال في موضع آخر: (ولهذا مسخ الله اليهود قردة لما تحيّلوا على فعل ما حرمه الله، ولم يعصمهم من عقوبته إظهار الفعل المباح لما توسلوا به إلى ارتكاب محارمه، ولهذا عاقب أصحاب الجنة بأن حرمهم ثمارها لما توسلوا بجذاذها مصبحين إلى إسقاط نصيب المساكين، ولهذا لعن اليهود لما أكلوا ثمن ما حرم الله عليهم أكله ولم يعصمهم التوسل إلى ذلك بصورة البيع، وأيضًا فإن اليهود لم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها، فإنها بعد الإذابة يفارقها الاسم وتنتقل إلى اسم «الودك» ، فلما تحيلوا على استحلالها بإزالة الاسم لم ينفعهم ذلك) (3) ، وهذا هو واقع ممارسة البنوك لصيغة التورق بالشراء والبيع، وتغير مسمى الربا (الفائدة) باسم الربح في المعاملات التي تجريها البنوك لا ينزع عنها صفة الربا، وأن ما يؤخذ من ربح هو ربا على المال المقرض، وكذا ما يعطى على المال المقترض؛ وإن تغيرت المسميات، وإن عمل عقود باسم بيوع التقسيط أو المرابحة أو شراء السلع وبيعها في سوق السلع المستقبلية (البورصة) لا يغير من طبيعة التعامل ومقصده وغايته.
إن النتيجة التي يمكن التوصل إليها في نهاية هذه الدراسة هو أن ما يتم من استحلال للربا وتصويره للناس بأنه تورق جائز شرعًا، وأن ما يؤخذ من ربا تحت مسمى المرابحة أو بيوع التقسيط وإطلاق المسميات كالتورق المبارك، وتيسير التمويل، وبرنامج نقاء، وغير ذلك من المسميات؛ لا يغير من حقيقة هذه الصيغ من أن التعامل هو تعامل ربوي محرم لا يجوز للمسلم التعامل به؛ بأي صورة من صور التعامل التي تسعى البنوك إلى تصويرها للناس بأنها صيغ تتوافق مع الشريعة الإسلامية، حتى لو تم الادعاء بأنها قد أجيزت من اللجان الشرعية التي شكلتها تلك البنوك.
(1) المعجم الوسيط، الجزء الأول، ص 802.
(2) الحيل الفقهية في المعاملات المالية محمد بن إبراهيم، ص 32، الناشر الدار العربية للكتاب 1983م، وهي رسالة علمية قدمها صاحبها للجامعة التونسية عام 8791م.
(3) أعلام الموقعين، الجزء الثالث، ص 252، المكتبة العصرية.
(4) الموافقات، للشاطبي، الجزء الثالث، ص 582.
(5) المرجع السابق، الجزء الثاني، ص 082.
(6) أعلام الموقعين، لابن القيم، الجزء الثالث، ص 321.
(1) أعلام الموقعين، الجزء الثالث، ص 421 ـ 621.
(2) الحيل الفقهية، مرجع سابق، ص 331.
(3) المغني، لابن قدامة، الجزء الرابع، ص 26.
(4) أعلام الموقعين، الجزء الثالث، ص 281.
(5) الحيل الفقهية، مرجع سابق، ص 431.
(6) الفتاوى، الجزء 3، ص 431، طبعة عام 1386 هـ.
(1) أحكام القرآن، الجزء الأول، ص 481.
(2) تفسير الرازي، الجزء الرابع، ص 58.
(3) بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لابن رشد، الجزء الثاني، ص 441.
(1) أعلام الموقعين، الجزء الثالث، ص 281.
(2) المرجع السابق، الجزء الثالث، ص 281 ـ 381.
(3) المرجع السابق، الجزء الثالث، ص 871.
(4) الحيل الفقهية، مرجع سابق، ص 641.
(5) الحيل الفقهية، مرجع سابق، ص 741.
(6) أعلام الموقعين، لابن القيم، مرجع سابق، الجزء الثالث، ص 381.
(1) أعلام الموقعين، لابن القيم، مرجع سابق، الجزء الثالث، ص 271.
(2) أعلام الموقعين، لابن القيم، الجزء الثالث، ص 701 ـ 801.
(3) المرجع السابق، الجزء الثالث، ص 421.
كتبه
عَبْد اللَّه بن محمد زُقَيْل
من درس فضيلة الشيخ / محمد الفراج (فقه البيوع )
* الأصل في المعاملات الجواز إلا ما حرّمه الشارع ، بخلاف العبادات فالأصل فيها المنع إلا ما دلّ الدليل على مشروعيته ؛ لأن الشارع يسد باب البدعة .
والدليل على أن الأصل في المعاملات الحل قوله تعالى { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا } فاللام في قوله { لكم } للملك .
والدليل على جواز البيع { وأحل الله البيع } وقوله تعالى { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة } وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارًا إلا من بر وصدق » وفي الصحيح عن ابن عمر: « البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن بينا وصدقا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما » .
والإجماع منعقد على جوازه وحله والحاجة قائمة إليه ؛ لأن الإنسان بحاجة إلى ما في يد أخيه والإنسان لا يدفع ما معه إلا بعوض وثمن فشُرع البيع لتحصيل هذا وهذا .
الربا:
السلف رحمهم الله كانوا يطلقون على البيوع المحرمة: الربا ، كما جاء في تسمية الناجش مرابي .
تعريف الربا لغة: له معاني عديدة كلها ترجع إلى الزيادة .
اصطلاحًا: كثرت تعريفات الفقهاء له ، ومن أجمع التعاريف وأشملها ما ذكره الشربيني الشافعي صحب ( مغني المحتاج شرح المنهاج ) حيث قال: عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد أو مع تأخير البدلين أو أحدهما .
شرح التعريف:
على عوض مخصوص: لبيان أن الربا لا ينهى عنه في كل الحالات وإنما في أموال خاصة وهي التي وجدت فيها علة الربا .
غير معلوم التماثل: فأخرج معلوم التفاضل ومجهول التماثل ؛ لأن الأموال الربوية - كما قال العلماء - حالة مبادلتها لا تخلو من أحوال ثلاثة:
1-إما أن يعلم تماثلها ، مثل: صاع بصاع .
2-أو يعلم تفاضلها ، مثل: صاعين بصاع .
3-أو يجهل التماثل ، مثل: كومة تمر بكومة تمر لم تُكَلْ .
فالثانية والثالثة ممنوعة والأولى هي الصحيحة .
في معيار الشرع: لبيان أنه ليس كل تماثل معتبرًا ، فالمكيلات حال بيعها ببعض تباع كيلًا والموزونات حال بيعها ببعض تباع وزنًا ، والمعدودات حال بيعها ببعض تباع عدًا ، فلا يصح: بيع كيلو ريالات بكيلو ريالات .
حالة العقد: فلو كان التفاضل فيما بعد انتهاء العقد غير مشروط فلا بأس ، مثل: صاع تمر بصاع تمر وبعد مدة زاد أحدهما الآخر صاعًا من غير شرط بينهما فإنه يجوز .
حكم الربا:
الربا حرام بالإجماع (1) وكبيرة من كبائر الذنوب .
دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع .
أقسام الربا:
1-ربا فضل: يعني الزيادة ، مثل: صاعين بصاع .
2-ربا نسيئة: يعني التأخير ، وهو نوعان: