ويتحدث ابن القيم - رحمه الله - عن الضرر الناشئ عند الاسترباح بالنقود وحكمة تحريم ربا الفضل فيقول: (والثمن هو المعيار الذي يعرف به تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودًا مضبوطًا لا يرتفع ولا ينخفض إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوم هو بغيره إذ يصير سلعة يرتفع، وينخفض فتفسد معاملات الناس، ويقع الحلف ويشتد الضرر كما رأيت حد فساد معاملاتهم، والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح فعم الضرر وحصل الظلم، فالأثمان لا تقصد لأعيانها بل يقصد منها التوصل إلى السلع، فإذا صارت في نفسها سلعة تقصد لأعيانها فسد أمر الناس) .
وفي تفسير المنار: (وثم وجه آخر لتحريم الربا من دون البيع، وهو أن النقدين إنما وضعا ليكونا ميزانًا لتقدير قيم الأشياء التي ينتفع بها الناس في معايشهم فإذا تحول هذا وصار النقد مقصودًا بالاستغلال فإن هذا يؤدي إلى انتزاع الثروة من أيدي أكثر الناس، وحصرها في أيدي الذين يجعلون أعمالهم قاصرة على استغلال المال بالمال) .
وختامًا فهذه بعض أسماء الكتب المفيدة في الموضوع:
1-نحو نظام نقدي عادل، للدكتور: محمد عمر شبابرا، وهو من مطبوعات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وهذا المعهد موجود عندكم في أمريكا، وعنوانه على الشبكة العالمية هو: http: //www. iiit. org
2-موسوعة الاقتصاد الإسلامي للدكتور / محمد عبد المنعم جمال
3-بالإضافة إلى عدد من المطبوعات لدى معهد العلوم الإسلامية والعربية في أمريكا، وهو موجود في ولاية فرجينيا، وعنوانه على الشبكة العالمية: www. iiasa. org وبإمكانك الاتصال بهم على الرقم: 7032073901 وسيقومون بإذن الله بتزويدك بما تحتاج إليه من كتب.
التاريخ 29/3/1425هـ
د. أحمد بلوافي
"إننا خسرنا في ليلة واحدة أتعاب وتضحيات عشرات السنين". [الرئيس الأندونيسي سوهارتو]
"لا يمكننا منافسة العالم على أساس نظامنا الحالي الذي يعتمد على الإفراط في الاقتراض ويتركز على التوسع الخارجي". [كيم يونغ سام - رئيس كوريا الجنوبية] .
عند تصفح كتاب الله وبعض أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - التي ذكرت العقوبات أو الوعيد المتعلقة بكبائر الذنوب بعد الشرك بالله لا نجد كبيرة تحدث عنها المولى - جل وعلا - بمثل هذه الألفاظ القوية وهذا الوعيد الشديد،"المحق" (1) ،"حرب من الله ورسوله" (2) ،"الخلود في النار" (3) ، إلا جرم الربا. وحديث المولى عن هذا الإثم المبين بهذه الصفة، قصد منه - والله أعلم -تنفير النفوس المؤمنة منه لكي تحترز أشد الاحتراز في الاقتراب منه أو تعاطيه؛ كما أريد منه تحذير الناس من العواقب الوخيمة للوقوع في حمأته.
وقد كان لهذه القوة في الأسلوب والتشديد في الوعيد تأثير على استنباطات علمائنا الأجلاء وتشديدهم في مسألة التعاطي بالربا، فعلى سبيل المثال، نقل القرطبي في تفسيره (4) عن ابن بكير قوله:"جاء رجل إلى مالك بن أنس، فقال: يا أبا عبد الله، إني رأيت رجلًا سكران يتعاقر يريد أن يأخذ القمر. فقلت: امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من الخمر. فقال: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد فقال له: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد فقال له: امرأتك طالق، إني تصفحت كتاب الله وسنة نبيه فلم أر شيئًا أشر من الربا؛ لأن الله أذن فيه بالحرب"اهـ.
نعم إن الله أذن فيه بالحرب، وتوعد ما يحقق عن طريقه من كسب بالاستئصال وذهاب البركة، وأوردنا أثرًا يوضح أن عاقبته إلى قل وإن ظهر أنه نما وترعرع، ويعلل ابن القيم - رحمه الله -هذا الأمر قائلًا (5) :"فأما الجلي [من أنواع الربا] ، فربا النسيئة وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال، كلما أخره زاد في المال، حتى تصير المائة عنده آلافًا مؤلفة؛ وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج؛ فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته ويصبر عليه بزيادة يبذلها له تكلف بذلها ليفتدي من أسر المطالبة والحبس، ويدافع من وقت إلى وقت، فيشتد ضرره، وتعظم مصيبته، ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوده، فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل له، ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل لأخيه، فيأكل مال أخيه بالباطل، ويحصل أخوه على غاية الضرر، فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرم الربا ولعن آكله وموكله وكاتبه وشاهديه، وآذن من لم يدعه بحربه وحرب رسوله، ولم يجئ مثل هذا الوعيد في كبيرة غيره، ولهذا كان من أكبر الكبائر"اهـ.
إن الذي ذكره ابن القيم - رحمه الله -من مضار الربا يمثل قمة التحليل الاقتصادي لمخاطر بناء الاقتصاد على هذا الأساس المعوج، وإن كان المثال الذي ذكره يدور حول آثار ذلك على الفرد، وهو ما يعرف في الاقتصاد بالتحليل الجزئي، فإن الصورة تكون أكثر وضوحًا لو طبقنا ذلك على مستوى الدول أو الشركات الكبيرة أي التحليل الكلي، وهذا ما سنقوم به من أجل تسليط الضوء على الاضطرابات المالية التي شهدتها اليابان وكوريا الجنوبية وقبلهما دول جنوب شرق آسيا الأخرى (6) .
فمن خلال النظر في الكلام الذي ساقه ابن القيم يمكن الخروج بنتيجتين منطقيتين لآثار الربا، وهما: دفع المال من وقت إلى آخر واستغراق أموال الربا لجميع موجودات المدين.
الأثر الأول: دفع المال من وقت إلى آخر.
وهو ما كان يعرف في الجاهلية بعبارة"زدني وأربِ"، أي زدني في أجل الدين وارفع من سعره؛ فيستفيد المدين من الوقت والدائن من زيادة المال، وهذا الصنف من المعاملة وما يدور في فلكه يطلق عليه اسم"ربا النسيئة"حسب تصنيف الفقهاء، وهو محرم بالإجماع (7) . وهو نفس التقنية التي تطبق اليوم وعلى نطاق واسع في جميع الاقتصاديات سواء على مستوى الأفراد أو الشركات بل وحتى الحكومات والدول. وما إعادة الجدولة التي تطلبها دول العالم الثالث من نادي باريس للحكومات الدائنة أو نادي لندن للبنوك التجارية العالمية إلا إحدى أساليبها. فعندما تعجز هذه الدول عن الوفاء بالأقساط المطلوبة منها كل سنة فإنه يمنح لها زيادة في الوقت مع تطبيق برنامج صندوق النقد الدولي للإصلاحات الاقتصادية ويزاد في أسعار الفوائد (الربا) ثم تمنح لها قروض ربوية لتسديد ما اقترضته من قبل. وهكذا الحال بالنسبة للشركات الكبيرة أو الحكومات بشكل عام؛ فإن طرق تمويل نفقاتها أو مشروعاتها لا يخرج عن نطاق الشراكة أو الاقتراض الربوي. ويمثل الطريق الأول الأسهم والثاني السندات الربوية بمختلف أشكالها. وما يلاحظه الدارس لأوضاع الدول المتقدمة والشركات فيها بل وحتى الأفراد هو الاعتماد على الطريق الثاني بدل الأول، وهذا نتيجة لعوامل عدة ليس هذا مجال بحثها.