فهرس الكتاب

الصفحة 378 من 1226

ثالثا: المبادرة في إلغاء القوانين الوضعية التي تنظم ربا الدين في البلاد الإسلامية وتبيح غير الفاحش منه وتعاقب الدائن وحده على أخذ الربا الفاحش وبعقوبات ( جد يسيرة) ، متأثرة في ذلك كله بأحكام اليهود التي بينا ما اعتراها من نسخ وما يشوبها إزاء التطور من قصور . ويجب أن تصدر التشريعات التي تأخذ بصحيح أحكام الإسلام ، فيبطل القانون المدني كل شرط ربوي في القروض وتأجيلات الديون ، وإن قل مقدار الفائدة أو العائد أو نحوها مما يتضمنه هذا الشرط ، وأيا كانت حال الدائن أو المدين القانونية ، يستوي الفرد ولو كان يتيما والشخص الاعتباري ، مصرفا كان أو شركة أو مؤسسة أو هيئة أو حكومة ، ويفرض التشريع الجنائي من العقوبات الرادعة عن الربا ما يجزي به الدائن والمدين وكل من شارك في جريمتها أو أعان على ارتكابها ، وفقا لما تقتضيه حال البلاد من تقنين لأنواع التعزير ومقدارها ، يتفق واعتبارات السياسة التشريعية الجزائية .

رابعا: بحث متطلبات قيام أسواق المال الإسلامية وتنظيم تداول الأسهم والحصص في شركات المضاربة ، وتفصيل أحكام بيوع النسيئة والسلم ، ولا تستضاع للعودة إلى الأخذ بنظم الائتمان الإسلامية واستكمال الإطار العام لتطبيقها في مجالات التجارة والإرفاق الاجتماعي ، ومتابعة هذا التطبيق ومواءمته مع معطيات العلوم الاقتصادية الحديثة وتوفير مقومات السوق الحرة وموارد التمويل الاجتماعي حتى لا يكون ثم محتاج إلى الاقتراض بالربا ، ولا يكون غلو في أسعار البيوع الآجلة يثقل المحتاجين إليها .

خامسا: وتنبغي الإفادة من التنظيمات السابقة التي أخذت بها دولة الخلافة العثمانية في شأن تلك البيوع وفرض حد أقصى للزيادة في المرابحة ، ولتلافي الثغرات التي تكشفت في تطبيق نظام السلم (1) . .

وجود أسواق إسلامية للمال الآجل يستثمر فيها استثمارا رأسماليا من طريق المضاربة أو متداولا بالبيوع الآجلة نسيئة وسلما ، بغير أن يتوسط بين المدخر أو المنتج أو التاجر وبين المنظم العامل أو المستهلك مراب لا يقوم بشيء من أعمال التجارة ولا يتعرض لمخاطرها . وتسلم سوق المال الإسلامية من أضرار المنافسة بين الاستغلال الربوي في السندات والقروض وما يسمى بالأوعية الادخارية وبين الاستثمار غير الربوي في الشركات والبيوع . وهي المنافسة التي تعاني منها أسواق المال في الاقتصاديات الربوية ، وتعيق تقدم مشروعات التنمية من طريق التمويل المباشر .

ولا يعرض لمن يحكم بما أنزل في الإسلام ما يتذرع به غير المسلمين من ضرورة الربا لقيام أسواق المال بدعوى أن تحريمه يذر رأس المال الآجل ولا كسب له في تلك الأسواق يغريه بالبقاء فيها مما يؤدي إلى اختفائه وينضب معين التمويل للمشروعات الاقتصادية؛ إذ يجد رأس المال في بلاد الإسلام أسواقا متسعة تفيء بالأرباح المشروعة عليه ، وذلك يوجب على المسلمين ألا يخدعوا بتلك الحجة الداحضة ، وأن يفروا إلى حكم الله تعالى ، وقد ظلوا قرونا طويلة مزهرة لا يقربون فيها الربا ، وينهون عن أكله وعما أخذت به طائفة منهم من إنشاء المصارف الربوية التي تضاهي مصارف اليهود ، وعندها يستشعر المسلمون رحمة الله التي اختصهم بها والله ولي التوفيق .

(1) حاشية ابن عابدين جزء 4 ص 114

مجلة البحوث الإسلامية - (ج 10 / ص 92)

تعريف الربا :

الربا لغة: الزيادة ، قال في القاموس (1) : ربا ربوا كعلو ورباء زاد ونما ، وقال صاحب المصباح المنير (2) : الربا الفضل والزيادة - وهو مقصور على الأشهر . . وربا الشيء يربو إذا زاد . وأربى الرجل بالألف دخل في الربا . وأربى على الخمسين زاد عليها . وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات (3) : الربا مقصور وأصله الزيادة . . . ويقال ربا الشيء إذا زاد , ويقال الربا والرماء - وفي فتح الباري (4) : وأصل الربا: الزيادة إما في نفس الشيء كقوله تعالى: { اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } (5) , وإما في مقابله كدرهم بدرهمين , فقيل هو حقيقة فيهما , وقيل: حقيقة في الأول ، مجاز في الثاني .

والربا شرعا: قد اختلفت عبارات الفقهاء في تعريفه مع تقارب المعنى فقال بعضهم (6) : هو عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما , وهذا تعريف له بنوعيه: الفضل والنسيئة .

وقيل: هو زيادة في شيء مخصوص (7) , وهذا تعريف قاصر على أحد نوعيه والمفروض في التعريف أن يكون جامعا . وفصل صاحب بدائع الصنائع (8) فعرف كل نوع على حدة ، فقال: الربا في عرف الشرع نوعان: ربا الفضل وربا النسيئة ، أما ربا الفضل فهو

(1) ص332 ج 4 ط السعادة بمصر 1332ه .

(2) ص233 ج 1 ط مصطفى البابي الحلبي بمصر 1369ه .

(3) ص117 ج 3 ط إدارة الطباعة المنيرية .

(4) ص313 ج 4 ط المطبعة السلفية .

(5) سورة الحج الآية 5

(6) مغني المحتاج ص21 ج 2 ط مطبعة مصطفى الحلبي 1377ه .

(7) المبدع في شرح المقنع ص127 ج 4 ط المكتب الإسلامي .

(8) ص183 ج 5 ط الأولى 1328ه .

زيادة عين مال شرطت في عقد البيع على المعيار الشرعي ، وأما ربا النسيئة فهو فضل الحلول على الأجل , وفضل العين على الدين في المكيلين أو الموزونين عند اختلاف الجنس أو في غير المكيلين أو الموزونين عند اتحاد الجنس عندنا ( أي عند الأحناف ) .

وهذه التعاريف كما قلنا وإن كانت مختلفة الألفاظ فهي متفقة في المعنى وبعضها مجمل وبعضها مفصل , والمناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي واضحة إلا أن المعنى الشرعي أخص من المعنى اللغوي ، إذ المعنى اللغوي يشمل الزيادة في كل شيء وأما المعنى الشرعي فهو يعني الزيادة في أشياء معينة ، وقد يطلق الربا شرعا ويراد به كل بيع محرم (1)

(1) نيل الأوطار ، ص200 ج 5 ط الحلبي 1371ه ، فتح الباري ص313 ج 4 .

تحريم الربا:

لا خلاف بين المسلمين في تحريم الربا وإن اختلفوا في تفاصيله (1) وضابطه , قال الله تعالى: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } (2) والأحاديث في تحريمه كثيرة مشهورة . وقد توعد الله آكل الربا بضروب من الوعيد مما يدل على عظم إثمه وفحش ضرره , فقد تنوع الوعيد عليه في النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وقد أوجزها السيد محمد رشيد رضا - رحمه الله - فيما يلي (3) :

1 -قوله تعالى: { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ } (4) أي لا يقومون من قبورهم للبعث إلا كقيام المجنون .

2 -قوله تعالى: ومن عاد إلى أكل الربا بعد تحريمه: { فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } (5) , وهذا من نصوص الوعيد أو هو محمول على من استحله لأن استحلاله كفر .

(1) نيل الأوطار ، ص200 ج 5 ، وانظر شرح النووي على صحيح مسلم ص9 .

(2) سورة البقرة الآية 275

(3) الربا والمعاملات في الإسلام ص75 ، 76 .

(4) سورة البقرة الآية 275

(5) سورة البقرة الآية 275

3 -قوله تعالى: { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا } (1) أي يمحق بركته .

4 -قوله بعد ذلك: { وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } (2) فحرمانه من محبة الله يستلزم بغضه ومقته له .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت