فهرس الكتاب

الصفحة 817 من 1226

إن المستقرئ للأحداث يدرك أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر ليست هي المحرك الوحيد لما تلاها من أحداث، وإن حاول الصليبيون أن يروجوا ذلك، ولكنها كانت الظرف الأفضل الذي يمكن من خلاله عمل ما جرى التخطيط له منذ زمن. إن أمريكا بعد انهيار توازن الرعب بانهيار الاتحاد السوفييتي اشرأب عنقها نحو السيطرة الفعلية على العالم، وإن هذا قد جرى التخطيط له منذ فترة رئاسة (ريجان) ، بل قبل ذلك، ولكننا نحن الذين لم نتفطن لذلك ولم ننتبه له، وكان ينبغي علينا أن نحسب لهذه الأيام حسابها، وأن نعد لها العدة، فإن الذي يبدأ بالضربة الأولى هو الذي يملك زمام الأمر لفترة تطول أو تقصر بحسب قوته، واستعداده، وبحسب قوة الخصم، واستعداده لاستيعاب الضربة الأولى، ولا شك أن الذي يكون في وضع الدفاع يفقد جزءًا من قوته مع الضربة الأولى، وتتوقف استعادته لتوازنه على قدرته وتدريبه على مثل تلك المواقف، وكيفية مواجهتها ووضع الخطط المناسبة لها، ونحن وإنْ كنا لن نضرب الضربة الأولى لعدم استطاعتنا لذلك، بل سنظل ننتظر الضربة التي تقع علينا؛ فما زال في الوقت فسحة ولو قصيرة للمخلصين للتخطيط لتلقي الضربة الأولى، وكيفية العمل على إفسادها، ومن ثم العمل على إيقاف تلك الهجمة التي لو قدر لها أن تنجح فلن تبقي ولن تذر، وسيتحول المسلمون الطاهرون عندها إلى رعاة خنازير عند عباد الصليب. وبعدُ فنحن هنا لسنا دعاة حرب، بل في حالة دفاع عن الدين والنفس والمال والعرض، وكلها من الضروريات، ولسنا في حالة هجوم؛ فنحن لا نخطط للذهاب إلى بلادهم وديارهم ومهاجمتهم، وإنما ندعو أمتنا للتخطيط من أجل الحفاظ على ديننا وديارنا وأهلينا وثرواتنا، وليس في هذا عدوان على أحد، وإنما هو محاولة لرد العدوان، ومحاولة لزجر من تسول له نفسه أن يقترب من حياضنا؛ حتى يعلم أننا لسنا لقمة سائغة يسهل ابتلاعها وهضمها، بل يدرك أننا لقمة مُرَّة يصعب ابتلاعها، وأنه لن يشعر بالسعادة أبدًا إذا حاول ابتلاعها، بل سيجدها أشواكًا ضخمة في حلقه مثل الكلاليب تسد حلقه، حتى تقضي عليه، {لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ} [الروم: 4 - 5] . وإني أرى أن تقوم الآن في كل دولة مسلمة هيئة هدفها العام إعداد الدولة للمواجهة والجولة القادمة، وهي هيئة حكومية أو مدعومة من الحكومة تتعاون فيها وزارات الدفاع، والدعوة، أو الأوقاف، والتعليم مع مجموعة من الكفاءات الشعبية، ومن أول ما ينبغي القيام به من هذه الهيئة أن تطلع الشعوب على ما يراد بهم؛ فإن عدونا لم يعد اليوم يخشى من التصريح بما يريد فعله في ديار المسلمين، فألفاظهم صريحة محددة، ومباشرة ليس فيها تورية؛ فلا بد من إطلاع أمتنا على ذلك، حتى تكون لديهم البصيرة بما يراد بهم، وماذا يريد هؤلاء منهم، وحتى لا ينخدعوا ببعض ما قد تبثه وسائل الإعلام التابعة، أو الموالية لهم، ولست أتمنى أن يأتي اليوم الذي يقف فيه الإنسان، كما وقف الشاعر العربي قديمًا بعدما نصح قومه بالاستعداد للعدو فأهملوا نصحه، حتى فجأهم العدو ضحى على حين غرة، فحصل لهم ما حصل من الهزيمة والخسران؛ فوقف الشاعر وقال:

أمرتُهُمُ أمري بمُنعَرَج اللِّوى *** فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغدِ

أسأل الله ـ تعالى ـ أن يوفقنا وأمتنا، وأن يحفظ علينا ديننا وأمننا، وأن يرد كيد عدونا في نحره.

القسم الثاني

( الزكاة )

من إلقاء الشيخ:

أ . د / الدكتور: خالد بن علي المشيقح

اعتنى بها:

أبو معاذ/ محمد عمر ليامين فيصل محمد الصعيدي

نسخة مصححة ومفهرسة

إن الحمد لله أحمده وأستعينه واستغفره وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله .

اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا ورزقًا حلالًا طيبًا واسعًا وعملًا متقبلًا ، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد .

أيها الأحبة: نحن في أول درس من دروس هذه الدورة المباركة نحمد الله عز وجل ونشكره على ما منَّ به علينا من هذه العلوم والدروس ، فإن تعلم العلوم من أجل العبادات وأفضل القربات وخير ما تُقَضَّى به الدقائق والساعات .

وفضل العلم وأجره كبير والآثار في ذلك كثيرة جدًا متضافرة لا تخفى على الجميع ولهذا قال ابن المبارك رحمه الله تعالى: « لا أعلم مرتبة بعد مرتبة النبوة أفضل من تعلم العلم وتعليمه » .

وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: « العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته ، قيل: وكيف تصح النية ؟ قال: أن ينوي أن يرفع الجهل عن نفسه وعن غيره » .

وأهنئ الأخوة الذين يحرصون على تقضية لحظات عمرهم وأنفاسهم في مثل هذه المجالس المباركة التي تحفها الملائكة وتغشاها السكينة وتنزل عليها الرحمة .

وتواصلًا للدورة السابقة فإننا في الدورة السابقة في مثل هذا الوقت من العام الماضي كنا شرعنا في دراسة جملة من النوازل المتعلقة بكتاب الطهارة ثم أخذنا جملة من النوازل المتعلقة بالصلاة ، وتوقفنا على ما يتعلق بنوازل الزكاة وسنجتهد إن شاء الله خلال هذه الدروس الستة في جمع شيء من المسائل والنوازل المتعلقة بالزكاة .

فهناك نوازل كثيرة تتعلق بأحكام الزكاة مثل ما يتعلق بزكاة السندات وزكاة الأسهم وزكاة خدمة نهاية السنة وما يتعلق باستثمار أموال الزكاة من قِبَل المالك هل له أن يستثمرها وأن يضارب فيها وأن يبيع ويشتري ؟ وأيضًا ما يتعلق باستثمار أموال الزكاة من قِبَل الإمام الأعظم هل له ذلك أو ليس له ذلك ؟ وكذلك ما يتعلق بزكاة الأموال المحرمة مثل أموال الربا ومثل أموال الميسر ، هل تجب فيها الزكاة أو لا تجب فيها الزكاة ؟ ومثل ما يتعلق بالأوراق النقدية وما قدر النصاب في الأوراق النقدية ؟. ومثل ما يتعلق بزكاة الرواتب الشهرية التي يلابسها كثير من الناس اليوم .

فهذه مسائل كثيرة جَمعتُ كثيرًا منها وسنطرح إن شاء الله هذه المسائل حسب ما يسمح به الوقت .

قبل أن نبدأ بطرح هذه المسائل سنعرف النوازل في اللغة والاصطلاح ثم بعد ذلك نقوم بتعريف الزكاة في اللغة والاصطلاح ثم سنذكر حكم الزكاة وبيان مكانتها في الإسلام وحِكمها أو شيئًا من حكمها كمقدمة لموضوعنا ثم بعد ذلك نشرع بدراسة النوازل المتعلقة بأحكام الزكاة .

تعريف النوازل

النوازل في اللغة:جمع نازلة وهي اسم فاعل وتطلق على المصيبة الشديدة من شدائد الدهر التي تنزل بالناس .

وأما في الاصطلاح: اختلف المتأخرون في تعريفها على عدة تعريفات:

فقيل: أنها الوقائع الجديدة التي لم يسبق فيها نص أو اجتهاد .

وقيل: بأنها الحادثة الجديدة التي تحتاج إلى حكم شرعي .

وقيل: الحادثة التي تحتاج إلى حكم شرعي .

وهناك تعريفات أخرى لكن نكتفي بهذه التعريفات الثلاثة .

وأقرب هذه الأقوال: أن النازلة في الاصطلاح:"هي الحادثة الجديدة التي تحتاج إلى حكم شرعي".

فقولنا:"الحادثة الجديدة"أي ما يَجِدُّ من الوقائع والمسائل التي تستدعي إلى بيان حكمها الشرعي بالاجتهاد عند أهل العلم .

وقولنا:"التي تحتاج إلى حكم شرعي"يُخرج الحوادث الجديدة التي لا تحتاج إلى حكم شرعي مثل البراكين ، والزلازل ، والفيضانات . فهذه حوادث جديدة لكنها من أقدار الله الكونية القدرية ومثل هذه لا ينظر فيها المكلف فيما يتعلق بحدوثها هل يحتاج إلى حكم شرعي أو لا يحتاج .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت