الكلام في موضوع الاقتصاد يحتاج إلى بحث طويل وتخصص وتعمق، ولا يمكن الإحاطة بمضمون نظرية اقتصادية إلا بعد دراسة مستفيضة لها، والحق أن النظريات الاقتصادية الحديثة يصعب أن نجد لها مثيلًا مفصلًا عند فقهاء الإسلام وكل مالدينا هو مبادئ وخطط عامة في الاقتصاد، يمكن التماسها والسير في هديها لمعرفة مدى مطابقتها أو مغايرتها إجمالًا لما هو سائد اليوم في عالم الاقتصاد.
وهكذا يمكننا رسم معالم السياسة الاقتصادية في الإسلام من عدة وجوه منها ما يأتي من البحوث:
المبحث الأول ـ الاقتصاد الإسلامي ومعالمه الكبرى:
تمهيد: إن الاقتصاد في الماضي والحاضر والمستقبل هو عصب الحياة النابض وشريانها المتدفق حيوية وغزارة وفاعلية، لذا فإنه يؤثِّر في الإنسان تأثيرًا مباشرًا في جميع أحواله الفكرية والدينية والسلوكية، ويؤثِّر في الأمة من جميع نواحيها العسكرية والسياسية والقانونية والاجتماعية، فالاقتصاد القوي عنوان المجد والقوة والسيادة، والاقتصاد الضعيف رمز التخلف والتأخر والانحطاط، ولقد كانت الحروب والمنازعات على الصعيدين القبلي والدولي ترجع في أغلبها إلى أسباب اقتصادية. وما زال الناس أفرادًا وجماعات منذ فجر التاريخ مهتمين بوسائل المعاش ومتاع الحياة، وينعكس أثر الاقتصاد على السياسة الدولية بشكل واضح، فما الاستعمار وآثامه، والمؤتمرات الدولية التي يتكررا انعقادها في المناسبات والأزمات والأسواق الدولية المشتركة سوى انعكاس لاقتصاد الدولة، وتخطيط سياستها المالية، والتنمية المطلوبة لديها.
وإذا كان هذا هو شأن الاقتصاد وتأثيره في العالم، فلا بد من أن يكون للإسلام خطة واضحة في القضايا الاقتصادية، إذ إنه شريعة الخلود الدائمة التي تقدر تمامًا ما للوضع الاقتصادي من تأثير كبير في حياة الأمة، والتي تتجاوب مع مقتضيات التطوروالتبدل الذي يمر على البشرية. وليس من المعقول ألا يكون هناك أساس اقتصادي للحضارة الإسلامية التي سادت العالم عدة قرون من الزمان، وكان الرفاه والرخاء يعم الأوساط الإسلامية، حتى إنه لايكاد يجد الغني أحدًا من الفقراء يعطيه زكاة أمواله في بعض عهود الدولة الإسلامية الزاهرة.
لذا فإني أذكر أهم معالم النظام الاقتصادي الإسلامي، تلك المعالم التي لم يستغرب المرء منها أن تكون أساسًا صالحًا للمجتمعات المتحضرة في مختلف مراحل التطور البشري؛ لأنها تتلاءم مع الفطرة الإنسانية، وتلتقي مع العدالة والحرية والرحمة، وتصدر عن تخطيط إلهي أو عن تنظيم اقتصادي مستقل، مجرد عن النزعات والأهواء الخاصة. وأسس هذا النظام الاقتصادي الإسلامي تجمع بين ما هو معروف في مجال الفكر الاقتصادي بصفة عامة من (السياسة الاقتصادية) و (المذهب الاقتصادي) والمقصود بالسياسة الاقتصادية: هو ذلك النوع من الفكر الاقتصادي الذي يحاول حل المشكلات الاقتصادية الطارئة على المجتمع. وموضوع هذه السياسة دراسة خير السبل والوسائل التي يجب أن تتبعها السلطات العامة للوصول إلى هدف معين أو غاية محدودة. وأما المقصود بالمذهب الاقتصادي: فهو المرحلة الثانية من مراحل التفكير الاقتصادي الذي يحاول فيه الباحث أن يتخذ موقفًا معينًا بالحكم التقييمي على نظام اقتصادي معين، فيحبِّذ قبوله أو رفضه، ويدافع عن الأخذ به أو العدول عنه. وبعبارة أخرى: هو الطريق التي يفضل المجتمع اتباعها في حياته الاقتصادية وحل مشكلاتها العملية.
ولقد تضمن النظام الإسلامي أحكامًا تتعلق بموضوع السياسة الاقتصادية، كما أن هذه الأحكام حددت رأيًا مذهبيًا واضحًا تجاه القضايا الاقتصادية حسبما يتطابق مع المثل العليا التي يجب أن تكون عليها الحياة الإنسانية. وأبدأ بما يأتي:
أولًا ـ لمحة عابرة عن خصائص النظامين الاشتراكي والرأسمالي:
أما النظام الرأسمالي: فإنه كما تقدم يقوم على أساس الاعتراف بمبدأ الملكية الفردية، فللأفراد الحق في تملك أموال الاستهلاك والإنتاج، ويمكن توارث ذلك عنهم، إلا أن الدولة تتدخل دائمًا لانتزاع جزء كبير من ثروة المتوفى. وتعتبر حرية التعاقد والتبادل من ركائز هذا النظام فهو يعتبر دائمًا نظام سوق، كما أنه يقوم على مبدأ الحرية الاقتصادية للأفراد، دون تدخل من الدولة لوضع قيود على الإنتاج أو الاستهلاك، فالحرية الاقتصادية تقتضي ترك تحديد الإنتاج، وأن الفرد حر في التصرف في ثروته استهلاكًا وادخارًا، ويكون السعي للحصول على أكبر كسب نقدي هو الدافع المحرِّك للنشاط الاقتصادي في ظل النظام الرأسمالي.
وقد انتقد هذا النظام كما تقدم؛ لأنه يؤدي إلى اختلال التوازن في توزيع الثروة بين الأفراد، وانقسام المجتمع إلى طبقتين: طبقة الرأسمالية الإقطاعية، وطبقة ذوي الدخل المحدود من العمال والفلاحين وغيرهم، كما أن هذا النظام يؤدي إلى تركيز الثروة في أيدي فئة قليلة مستبدة، وإلى انتشارا لبطالة، والاحتكارات الطبيعية والصناعية التي تتكون وتستغل المستهلك والطبقات الضعيفة. ومن أخطر عيوب هذا النظام: استعمار الشعوب الذي ترتكز عليه سياسة الدول الرأسمالية النامية، فكان من نتيجة كل ذلك فشل النظام الرأسمالي في تحقيق الاستقرار الاقتصادي، وضمان الحياة الرغد ة للبشرية، وبالتالي انهيار مذهب الحرية الاقتصادية المطلقة. وهذا ما جعل أنصار المذهب الرأسمالي ينادون بضرورة تدخل الدولة لتنظيم الحريات الاقتصادية ، وعلى الدول أن تقوم بنفسها بجمع المشاريع الاقتصادية التي يحتاجها المجتمع...
وأما النظام الاشتراكي
فإنه كما تقدم يقوم على أساس امتلاك الدولة لمختلف وسائل الإنتاج من صناعة وزراعة وثروة طبيعية وخدمات عامة، فلا وجود للملكية الفردية، ولا مجال للحرية الاقتصادية إلا بقدر ما يمنحه المجتمع للفرد، وتطالب المذاهب الاشتراكية من الناحية الاجتماعية بتحقيق المساواة بين الأفراد، أي بإلغاء الفوارق بين الطبقات، ولا يقصد من ذلك تحقيق المساواة التامة الكاملة، وإنما إلغاء الفوارق التي لا يكون مردها الكفاءة في الإنتاج أو العلم، أو العمل لصالح المجموع. فالاشتراكية تكافئ كل فرد بحسب عمله مع مراعاة ظروفه ومواهبه الشخصية على أن يتحقق أولًا إشباع الحاجات الضرورية لكل إنسان.
وقد انتقد هذا النظام كما تقدم بأنه يصادم ما استقر في فطرة الإنسان من حبه التملك الفردي، واستئثاره بثمرات جهوده التي يبذلها كاملة وبإضراره بمصلحة الإنتاج العام لانعدام روح المنافسة الشرعية، كما أن النظرية الماركسية التي تجعل قيمة أي سلعة بحسب ما يبذل في إنتاجها من عمل منتقدة أيضًا؛ لأن عنصر العمل ليس هو العنصر الإنتاجي الوحيد، وإنما هناك عناصر إنتاج أخرى من طبيعة ورأس مال لا يمكن ردها إلى العمل. وكذلك مبدأ التوزيع القائل: ( من كل حسب طاقته، ولكل حسب عمله) يخلق لونًا جديدًا من الطبقية: طبقة القيادة الحاكمة، وغيرها من الطبقات ،كالتي تنشأ بين العمال مثلًا بحسب اختلاف مواهبهم وكفاءاتهم ونوعية العمل ودرجة تعقيده، فيظهر مثلًا الصراع بين العمال الفنيين والعمال اليدويين.
(1) - الفقه الإسلامي وأدلته - (ج 7 / ص 1)