فهرس الكتاب

الصفحة 1059 من 1226

1-قد يقول قائل بأن هذه الفتوى فيها تضييق على الناس أو نحوه... وأقول بأن الواجب معرفة الحق بدليله، ولذلك لا يجوز للمفتى اعتقاد الحكم ثم بناء الدليل عليه بل الواجب اتباع الدليل للوصول إلى الحق. لذلك فإن المفتي إذا نظر لما قد يدعيه البعض من أنه حاجة لا بد منها فإنه سينظر للحكم على أنه جائز قبل النظر في الدليل، وهذا خطأ في مبدأ النظر يخل بالوصول إلى معرفة الحق.

لهذا أولًا يجب أن نعرف حكم المسألة بناء على الأدلة ثم ننظر هل هناك ضرورة تبيحها إن كان محرمًا؟ فإن لم يكن ثمة ضرورة فلم تأتي الشريعة بإباحة الحاجات إذا كانت محرمة، بل لم يجعل الله تعالى للناس حاجة للمحرم ولو تفكرنا في تداول الأسهم فليس للناس بها حاجة، بل ربما يكون بها ضرر بالغ عليهم. وإنما يستفيد منها المتنفذون وأصحاب رؤوس الأموال الضخمة الذين يوهمون الناس بتحقيق الربح وهم في الحقيقة الرابحون الحقيقيون، كالربا الذي يستفيد منه أصحاب رؤوس المال ويظلم به المدينين، وبالتالي فلا حجة لمن يدعي الحاجة وغيرها.

2-على هيئة سوق المال إلزام الشركات المساهمة بنشر النظام التأسيسي للشركة بأي وسيلة كانت، فأقل حقوق المساهم هو أن يطلع على النظام التأسيسي للشركة التي يريد أن يساهم بها.

3-على رؤساء مجالس الإدارات في الشركات مراقبة الله تعالى في أعمال هذه الشركات، والحذر من المعاملات المحرمة التي توجب محق بركة العمر والمال والولد والعياذ بالله.

4-ليعلم المسلم أنه مأمور باتباع الحق الذي ظهر له وليحذر من اتباع الهوى، فإن ترك الدليل الشرعي يوجب اتباع الهوى لا محالة قال تعالى:"فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم" (القصص) .

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الفصل الأول: (تعريف الربا)

وسنذكر التعريف اللغوي ثم التعريف الاصطلاحي عند الفقهاء وما يلاحظ على هذه التعريفات الاصطلاحية:-

المبحث الأول:-

التعريف اللغوي:-

الراء والباء والحرف المعتل وكذلك المهموز منه يدل على أصل واحد، وهو الزيادة والنمو والعلو…والرِّبا تثنية رِبوان و رِبَيَان ( [1] ) .

فالربا هو الفضل والزيادة ( [2] ) . وتقول: ربا الشيء يربوا رُبُوًَّا ورِباءًا أي: زاد ونما، وأربيته: نميته ، وفي التنزيل العزيز:

"ويربي الصدقات" [ البقرة: 265 ] .

ومنه أخذ الرِّبا المحرم ( [3] ) .

المبحث الثاني:-

التعريف الاصطلاحي للربا

اختلفت تعريفات المذاهب للربا وسنذكر تعريف كل مذهب على حده ثم نبين-إن شاء الله- وجه اختلاف تعريفات العلماء للربا:-

هو عندهم:- (فضلُ مالٍ بلا عوض في معاوضة مال بمال) ( [4] ) .

وقيل هو:- (الفضل الخالي عن العوض المشروط في البيع) ( [5] ) .

هو:- (كل زيادة لم يقابلها عوض) ( [6] ) .

هو:- (عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما) ( [7] ) .

هو:- (الزيادة في أشياء مخصوصة) ( [8] ) .

ــ والمتأمل في هذه التعريفات وغيرها من تعريفات العلماء للربا يجد أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام وهي كما يلي:-

1)تعريفات مقصورة على ربا القروض:-

فمن العلماء من حصر تعريفه للربا في نطاق ربا القروض ومنهم الإمام ابن الأثير حيث يقول:-

"وهو في الشرع: الزيادة على أصل المال من غير عقد تبايع" ( [9] ) .

ـ ومنهم الإمام الواحدي فقد عرفه بقوله:-

"الربا اسم للزيادة على أصل المال من غير بيع" ( [10] ) .

ومما هو واضح في تعريف هذين الإمامين أنهما عرفا ربا القروض فقط، وأما ربا البيوع فأخرجاه من نطاق التعريف بقولهما: (من غير عقد تبايع) و: (من غير بيع) ولعلهما اقتصرا على تعريف ربا القروض مراعين أنه هو الربا الجلي المتفق عليه ( [11] ) .

2)تعريفات مقصورة على ربا البيوع:-

فمن العلماء من اقتصر على تعريف ربا البيوع أثناء تعريفه للربا وهذه هي تعريفات الحنفية والشافعية السابقة.

ويلاحظ أن تلك التعريفات تتحدث عن الربا في نطاق البيوع، ولعل سبب الاقتصار على تعريف ربا البيوع يرجع إلى أنهم أرادوا معالجة ربا البيوع فحسب ( [12] ) .

3)تعريفات للربا باعتبار مفهومه الشامل:-

ومن العلماء من عرف الربا باعتبار مفهومه الشامل كالإمام ابن العربي في قوله:- (كل زيادة لم يقابلها عوض) ( [13] ) .

وكذلك تعريف الحنابلة السابق إنما هو باعتبار مفهومه الشامل.

ويظهر من هذه التعريفات شمولها ربا القروض وربا البيوع، حيث توجد الزيادة فيهما، إلا أن تعريف الإمام ابن العربي غير مانع، حيث تدخل زيادات ليست من الربا ( [14] ) .

( [1] ) معجم مقاييس اللغة: 2 / 483 - 484 . مادة ( ربى أ ) .

( [2] ) المصباح المنير: 217 .

( [3] ) لسان العرب: 14 / 307 . مادة ( ربا ) .

( [4] ) البحر الرائق شرح كنز الرقائق: 6 / 135 . وعمدة القارئ: 11 / 199 .

( [5] ) المبسوط: 12 / 109 .

( [6] ) أحكام القرآن: 1 / 242 .

( [7] ) نهاية المحتاج: 3 / 409 . ومغني المحتاج: 2 /21 .

( [8] ) المغني: 6 / 51 .

( [9] ) النهاية في غريب الحديث و الأثر: 2 / 192 .

( [10] ) نقل ذلك عنه الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات القسم الثاني: 2 / 118 مادة ( ربو ) .

( [11] ) التدابير الواقية من الربا في الإسلام: 24 - 25 .

( [12] ) السابق: 25 .

( [13] ) أحكام القرآن: 1 / 242 .

( [14] ) التدابير الواقية: 26 . بتصرف .

الفصل الثاني: أدلة تحريم الربا

لقد حرم الله الربا وقرر أنه من أكبر الكبائر كما بَيَّن أنه سبب لعقوبات عديدة في الدنيا والآخرة.

ولم يقف عند هذا الحد ، بل منع الاسلام من تقديم أي مساعدة للتعامل الربوي ( [1] ) .

وتنوعت أدلة تحريمه فقد جاء ذلك في الكتاب والسنة وأجمع المسلمون على ذلك وسنذكر -إن شاء الله تعالى- الأدلة من الكتاب ثم من السنة ثم الإجماع على ذلك:-

المبحث الأول:- أدلة تحريم الربا في القرآن الكريم:-

لا شك أن القرآن قد نهى عن كثير من المنكرات وشدد الوعيد في بعضها، ولكن الكلمات التي جاء بها لإعلان حرمة الربا أشدُّ وآكد من الكلمات التي أوردها للنهي عن سائر المنكرات والمعاصي ( [2] ) .

وذكر الله -عز وجل- تحريم الربا في آيات من كتابه الكريم منها:-

1.قوله تعالى:-"الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسِّ ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" [ البقرة: 275 ] .

ويستدل بهذه الآية على تحريم الربا من عدة وجوه هي:-

روى الإمام الطبري -رحمه الله- عن سعيد بن جبير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية قوله:- (يبعث آكل الربا يوم القيامة مجنونًا يخنق) ( [3] ) .

ونقل عن قتادة قوله:- (وتلك علامة أهل الربا يوم القيامة، بعثوا وبهم خبل من الشيطان) ( [4] ) .

ومعنى الآية:-

أن الذين يربون الربا لا يقومون في الآخرة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يخنقه الشيطان فيصرعه من الجنون ( [5] ) .

والله سبحانه وتعالى إنما يرتب هذه العقوبات على المعاصي والموبقات لا على القربات والمباحات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت